فكما أن الله عز وجل من أسمائه الرحيم لا بدّ للذي يقبل عليه من أن يشتق شيئًا من هذه الرحمة، علامة المصلي رحيم، إذا أقبلت على الكريم لا بدّ من أن تكون كريمًا، إذا أقبلت على الحليم لا بدّ من أن تكون حليمًا، إذا أقبلت على اللطيف لا بدّ أن تكون لطيفًا، إذا أقبلت على العدل لا بدّ من أن تكون عدلًا، فلذلك الإيمان ليس بالصلاة والزكاة، ولكن بالخلق الرفيع الذي يشتقه المصلي من جناب الله سبحانه وتعالى.
{إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ}
(سورة العنكبوت)
الصلاة تنهى، لذلك قال عليه الصلاة والسلام:
(( من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر لم يزدد من الله إلا بعدًا ) )
[الطبراني في المعجم، والسيوطي في الجامع الصغير]
الصلاة في جوهرها تطهر النفس من أدرانها، وتزكيها إلى خالقها، ولكن يا ترى هذا الرب الكريم الغفور الرحيم ماذا يفعل بعباده المعرضين الذين ابتعدوا عن جادة الصواب، الذين أداروا ظهورهم لهذا القرآن الكريم، الذين نبذوه وراء ظهورهم، الذين سخروا من دين الله سبحانه وتعالى، الذين اقترفوا المعاصي، ماذا يفعل الله بهم؟ قال تعالى:
{نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (49) وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ}
إما أن تأتيني طوعًا فأغفر لك ذنوبك، وأطهرك، وأتجلى على قلبك، وأسعدك، وإلا فلا بدّ من أن أحملك على أن تأتيني، إما أن تأتيني طوعًا، وإما أن تأتيني كرهًا، إما أن تأتيني في سلام، وإما أن تأتيني بعد العذاب الأليم، إما أن تأتيني، وأنت معافى، وإما أن تأتيني بعد المصيبة الأليمة.
{نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ}
لكنك أيها العبد إن لم تأتِه طواعية، إن لم تأتهِ من تلقاء نفسك، إن لم تأتهِ مبادرة منك، إن لم تأتهِ كذلك حملك على أن تأتهِ.