لو أن الماء يتبخَّر بدرجة مائة، إذا نظَّفت البيت بالماء فإن هذا البيت لا يجفُّ أبدًا إلا إذا سَلَّطت عليه نارًا، لكنَّ الماء يتبخَّر بدرجة أربع عشرة فقط، سريع التبخُّر، سريع الانسياب، يدخل الماء في أدقِّ المَسام، لو لم يكن كذلك أي لو أنه لزج كالقطر مثلًا كيف ننظِّف به؟ كيف يكون هذا الماءُ ماءً طهورًا؟ مستحيل، يجب أن تنظِّف الأشياء من الماء عندئذٍ.
{أَنزَلَ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً}
بهذه الخواص، لا لون له، لا طعم له، لا رائحة له، سريع التبخُّر، قابليَّته لذوبان العناصر فيه، انسيابه في أَدَقِّ المسامات، هذه كلُّه من خواص الماء ..
{أَنزَلَ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا}
أي على وجه السيل زبدٌ، حشائش، أشياء كثيرة تعلو، وتكبر حتى تحجب عن الناظر منظر الماء، قال عليه الصلاة والسلام:
(( يُوشِكُ الأُمَمُ أَنْ تَدَاعَى عَلَيْكُمْ كَمَا تَدَاعَى الأَكَلَةُ إِلَى قَصْعَتِهَا فَقَالَ قَائِلٌ وَمِنْ قِلَّةٍ نَحْنُ يَوْمَئِذٍ قَالَ: بَلْ أَنْتُمْ يَوْمَئِذٍ كَثِيرٌ وَلَكِنَّكُمْ غُثَاءٌ كَغُثَاءِ السَّيْلِ وَلَيَنْزَعَنَّ اللَّهُ مِنْ صُدُورِ عَدُوِّكُمُ الْمَهَابَةَ مِنْكُمْ وَلَيَقْذِفَنَّ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمُ الْوَهْنَ فَقَالَ قَائِلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا الْوَهْنُ قَالَ: حُبُّ الدُّنْيَا وَكَرَاهِيَةُ الْمَوْتِ ) )
[أبو داود عن ثوبان]
فهذا الشيء الذي يعلو سطح السيل هو الزبد، أو هو الغثاء، في هذه الآية سمَّاه الله سبحانه وتعالى:
{زَبَدًا رَابِيًا}
يعني عاليًا، ناميًا، كثيرًا، كبيرًا قد يحجُب عنك منظر الماء، وسمَّاه النبي عليه الصلاة السلام: (( غُثَاءٌ كَغُثَاءِ السَّيْلِ ) ).. لا قيمة له، لا وزن له، لا ثمن له، لا ينفع الناس، لا يستخدمه الناس، لا يعبأ به الناس، لا يُعْنَوْنَ به ..