{وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنْ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا}
(سورة الإسراء)
فالمعنى الثاني: أن الرعد نفسه نفسٌ تسبح بحمد ربها، فإذا كان الطير يسبِّح الله، والنمل تحت الأرض يسبِّح بحمد الله، والحوت في البحر يسبِّح بحمد الله، وكل شيءٍ ينطق بالحمد، ويلهج بالتسبيح، فما بال هذا الإنسان الغافل الذي خُلِقَت كل هذه المخلوقات من أجله وسخَّرها الله له؟ ما بالها تسبِّح وهو يجحد؟ ما بالها تسبِّح وهو يكفر؟ ما بالها تسبح وهو يُعْرِض؟!
{وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ}
المعنى الثالث: أن كمال الخلق في حَدِّ ذاته تسبيح، لو وقفت أمام قطعة أثاثٍ متقنةٍ إلى حد الخيال تتأملها، تُحِسُّ أنها تنطق، تنطق بدقة صنعة صانعها، فكمال الخلق تسبيح، وكل شيءٍ يسبح، أو سامع صوت الرعد يسبح.
{وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ}
والتسبيح أيها الإخوة الأكارم له معنيان:
له معنى سلبي، وهو تنزيه الذات الإلهية عما لا يليق بها، سبحان الله عما يقولون.
{وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ}
(سورة االبقرة)
ما أبعد ذات الله العليَّة عن هذا الوصف الباطل! الله سبحانه وتعالى ليس بحاجةٍ إلى ولد، لم يلد ولم يولد، ليس كمثله شيء، هو الأول بلا بداية والآخر بلا نهاية، لا يُسْأل عنه أين هو؟ لأنه خالق المكان، ولا يسأل عنه متى كان؟ لأنه خالق الزمان، عَلِمَ ما كان، وعَلِمَ ما يكون، وعَلِمَ ما سيكون، وعَلِمَ ما لم يكن لو كان كيف كان يكون، ليس كمثله شيء، ليس مُتَبَعِّضًَا ولا مُتَجَزِّأً ولا مَعْدودًا، فالحديث عن ذات الله حديثٌ يطول، هذا معنى التسبيح، سَبِّحُّه؛ أي أن نزِّهه عما لا يليق به.