من اشترى آلةً بالغة التعقيد، جهازًا إلكترونيا لتحليل الدم، ولم ترسل له الشركة كتيِّبًا فيه طريقة الاستعمال، ماذا يفعل؟ إن استعمله من غير هدى عطَّله، وإن تركه بلا استعمال جمَّده، هذه النشرة التي فيها تفصيلاتٌ عن طريقة استعمال هذا الجهاز الغالي هي لا تقلُّ قيمةً عن الجهاز أبدًا، بل قد تكون أثمن من الجهاز لأنه من دونها يُعْطَبُ الجهاز.
إذًا:
{تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ}
أي كتابٍ هذا؟
{وَالَّذِي أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ}
أي أن هذا الكتاب ليس من صنع بشر، ادخل إلى مكتبة ترى فيها آلاف الكتب، ما من كتابٍ إلا وفيه صوابٌ وخطأ، ما من كتابٍ إلا وفيه حقٌّ وباطل، ما من كتابٍ إلا وفيه نقطةٌ عميقة ونقاطٌ ليست عميقة، ما من كتابٍ إلا وفيه خلل، ما من كتابٍ إلا وفيه رَيْب إلا كتاب الله سبحانه وتعالى، لذلك فضل كلام الله على كلام البشر كفضل الله على خلقه.
مثل آخر .. لو أنك قرأت كتابًا، لو أتقنت كتابًا معيَّنًا ما الفترة الزمنيَّة التي يمكن أن تستفيد منها أو فيها من الكتاب؟ لو قرأت كتابًا قيِّمًا فتعلَّمت من خلاله صنعةً ما، لو قرأت كتابًا قيمًا فتعلَّمت من خلاله حرفةً ما، مهما كان دخل هذه الحرفة كبيرًا متى تنتهي فائدة الكتاب؟ عند الموت، لو أنَّك ألَّفت كتابًا أو قرأت كتابًا، أو طالعت كتابًا، ودرَّ عليك هذا الكتاب تأليفًا، أو مطالعةً، أو دراسةً، أو حفظًا ألوف الملايين، متى تنتهي فوائد هذا الكتاب؟ تنتهي عند الموت؛ لكن هذا الكتاب إذا قرأته، وفهمته، وطبَّقته، متى تنتهي فوائده؟ لا تنتهي فوائده، هذا كتابٌ أبديٌّ سرمدي، إذا قرأته وفهمته نفعك نفعًا لا حدود له.
فلذلك الإنسان يقيِّم الشيء بمدى نفعه، أو بزمن نفعه، أو بحدود نفعه، أو بحجم نفعه، فإذا قرأت كتاب الله، وعرفت منهجك في الحياة فإن هذا الكتاب لا تنقضي فوائده ولا بالموت، بل إن الموت نقطة تحوِّلٍ يسيرة في طريق الحياة الأبديَّة.