يروى مرة أن الأحنف بن قيس كما يصفه الواصفون كان قصير القامة، غائر العينين، ناتئ الوجنتين، ضيق المنكبين، أسمر اللون، أحنث الرِجل، أي يعرج، ليس شيء من قبح المنظر إلا وهو آخذ منه بنصيب، كان دميمًا، تتفاداه الأعين، وتنبو عنه الأبصار، وكان مع ذلك سيد قومه، إن غضبَ غضب لغضبته مائة ألف سيف، لا يسألونه فيم غضب؟ لعظم شأنه عندهم، وكان إذا علم أن الماء يفسد مروءته ما شربه، حضر مرة مجلس معاوية بن أبي سفيان، وكان قد جمع وجهاء القوم ليأخذ البيعة لابنه يزيد، وتكلم الناس، وأطروا، وأثنوا، ومدحوا، وبالغوا كما هي عادتهم، فلما بقي الأحنف ساكتًا أربك المجلس، وأحرج معاوية، فقال له معاوية: تكلم يا أحنف، ما رأيك؟ قال: أخاف الله إن كذبت، وأخافكم إن صدقت، فكان تلميحًا أبلغ من تصريح، وهناك مواقف حرجة الإنسان يستطيع أن يكني، من دون أن يصرح، أن يعرِّض من دون أن يبين، قال تعالى:
{وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ}
تحليل أمارة بالسوء، أي أنّ الله سبحانه وتعالى خلقها أمارة بالسوء، إن كان خلقها كذلك فنحن لنا حجة عندئذ، يا رب، نحن لم نعمل شيئًا، أنت خلقت أنفسنا أمارة بالسوء، ففعلنا شيئًا فطرتنا عليه، وجبلتنا عليه، فما ذنبنا؟
الحقيقة أنّ الله عز وجل خلق في نفوسنا أو أنفسنا شهوات، قال تعالى:
{زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنْ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنْ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا}
(سورة آل عمران: الآية 14)