{إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ}
الحقيقة لو أنّ هذا النبي الكريم يوسف عليه السلام خرج من السجن، وعفا عنه الملك ومكنه في الأرض فإنّ أي حاسد له يستطيع أن يصل إلى الملك، ويقول: هذا خائن، لقد خان سيده عزيز مصر، لكنه حينما رفض أن يخرج حتى تثبت براءته، وحتى يثبت للملك براءته فعل هذا حتى يقطع الطريق على كل حاسد واشٍ من أن يصل إلى الملك، إنها حكمة بالغة في عدم خروجه من السجن.
شيء آخر، لو أنه قال للملك: اسأله ما قصتي، الملك قد ينسى الموضوع، اسأله لماذا دخلت السجن؟ هو رجل دخل السجن، لكن حينما ذكر له بعض التفصيلات، ما بال النسوة التي قطعن أيديهن؟ جعله في موطن الجواب، فالملك لا ينبغي أن يكون جاهلًا فيما يجري في ملكه، حثه على التحقيق، أعطاه حادثة غريبة تستدعي التأمل، ستر امرأة العزيز إكرامًا لزوجها، وستر العزيز، ذكر نسوة لا دخل لهن في الموضوع، ولسن متهمات في المراودة، إنما هن شاهدات على براءة يوسف، إذًا: في هذه الكلمة التي قالها هذا النبي الكريم حكمة ما بعدها حكمة، وسداد ما بعده سداد، وهذا شأن الأنبياء، قال تعالى:
{وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا}
(سورة البقرة)
يبدو أن الملك استفزه هذا السؤال و استثاره، فجمع النسوة اللاتي حضرن هذه القصة، ويبدو أنّ امرأة العزيز كانت معهن، وسيأتي الدليل، وسألهن، قال تعالى:
{قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدتُّنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ}
من هنا استنبط العلماء أيضًا أن هؤلاء النسوة حينما أردن أن ينصحن يوسف أن يستجيب لامرأة العزيز، استغللن هذا الموقف وراودنه عن نفسه، إذًا: هذه تهمة مشتركة، قال تعالى:
{قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدتُّنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ}