إذا كان الإنسان في بحبوحة، أو على شيء من العلم، أو على شيء من الوسامة والجمال، أو على شيء من الجاه، إذا قال: أنا، فقد أشرك، إذا قال: لقد تفضل الله علي، لقد أكرمني ربي، لقد يسّر الله لي هذا البيت، لقد أكرمني، ونجحت في هذه الشهادة، لقد حباني الله بهذه الوظيفة، لقد متعني الله بهذه الصحة، لقد رزقني الله هذه الزوجة، هكذا المؤمن، ليس من باب الأدب، ولكن من باب الحقيقة، هذه هي الحقيقة، قال تعالى:
{ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ}
عاش سنوات طويلة في قصر عزيز مصر، هؤلاء وصفهم هذا النبي الكريم بصفتين دقيقتين، قال تعالى:
{إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ}
لا يؤمنون بالله، يؤمنون بالملذات، يؤمنون بالدنيا، يؤمنون بما فيها، أما بالله فهم عنه غافلون، هم عنه معرضون، جعلوا كتاب الله وراء ظهورهم، جعلوا قيم الله عز وجل وراء ظهورهم، جعلوا أوامره خارج اهتمامهم، جعلوا نواهيه ضمن رغباتهم، قال تعالى:
{إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ (37) وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ}
جوهر هذه الدعوة هو التوحيد، الدين كله توحيد، الدين كله ملخّص في قوله تعالى:
{فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ}
(سورة محمد: الآية 19)
هذا هو الدين، ما كان لنا، يعني يستحيل علينا، مستحيل أن نشرك، (ما كان) من أشد أنواع النفي، لا نشرك، ولا نريد أن نشرك، ولا يمكن أن نشرك، ولا يعقل أن نشرك، كل هذه الأدلة الدالة على عظمة الله وبعدها نشرك؟ قال تعالى: