إلى أجل غير مسمى، إلى أن تنطفئ الفتنة، إلى أن ينقطع الحديث في هذا الموضوع، إلى أن تنسى امرأة العزيز هذا الغلام، ودخل السجن، سوف نستنبط بعد قليل أنه كان في السجن نبيًا، كما أنه نبي خارج السجن هو نبي داخل السجن بمعرفته، بإحسانه، بمعاونته للآخرين، برحمته، الإنسان هو هوَ، هذا الذي تتبدل أخلاقه من ظرف إلى ظرف أخلاقه مزيفة، هذا الذي يبدو في الرخاء وديعًا، و في الشدة وحشًا هذا ليس أخلاقيًا، هذا الذي يبدو في الغنى سموحًا وفي الفقر بخيلًا ليس كريمًا، لكن البطولة أن تكون أنتَ أنت في الرخاء والشدة، في النعيم والشقاء، في الصحة والمرض، في القوة والضعف، في إقبال الدنيا وإدبارها، خارج السجن وداخل السجن هو هوَ نبي، قال تعالى:
{وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ}
هناك قصة يرويها القرطبي في تفسيره: أن الملك كان عنده طباخ كرئيس الطهاة، ورجل يقدم له الشراب، يبدو أن هذا الملك عمّر طويلًا ودام حكمه طويلًا، فائتمر عليه بعضهم في قتله عن طريق دس السم في طعامه وشرابه، فالطباخ وضع السم في الطعام، أما صاحب الشراب فأبى، فلما قدم الطعام للملك جاء صاحب الشراب وقال: احذر يا مولاي أن تأكل الطعام فإنه مسموم، فقال الطباخ: يا مولاي والشراب أيضًا مسموم، قال الملك: اشرب فشرب صاحب الشراب، فتأكد الملك أن صاحب الشراب صادق، فأمر الطباخ أن يأكل من الطعام فأبى، فلما أبى أُطعم الطعام لحيوان فمات من توه، فأمر الملك أن يساق الفتيان إلى السجن ريثما يتم التحقيق.
قال تعالى:
{وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا}
الخمر هنا يعني العنب، هذه كأن تقول مثلًا: رعينا الغيث، يعني رعينا كلأً أنبته الغيث، عصرنا عنبًا فصار خمرًا، قال تعالى:
{قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا}
يعني أرى في المنام، قال تعالى: