عرف هذا الأب الشفوق، وهذا الأب الرحيم، أنّ أخوة يوسف قد تقع في قلبهم الغيرة، وقد يقع في قلبهم الحسد، والشيء الثابت أنّ الأب والأم فقط لا يحسدان ابنيهما، ولا يغاران منه، أما الإخوة فقد تأكل قلبهم الغيرة، وقد يدب الحسد فيما بين الإخوة:
{قَالَ يَا بُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ}
من هنا استنبط العلماء أنّ على المرء ألا يظهر ما عنده، وألا يظهر فضله، وألا يبالغ في إظهار علمه، وإظهار المقدرات التي وهبه الله إياها، فلعل أحدًا يحسده، ولعل أحدًا يتمنى زوال النعمة عنه، وأن تتحول إليه.
{قَالَ يَا بُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ}
على كل قال عليه الصلاة والسلام:
(( استعينوا على قضاء حوائجكم بالكتمان ) )
ورد في الأثر
وقال بعض الشعراء:
ليس الغبي سيدًا في قومه ... لكنّ سيد قومه المتغابي
من الذكاء أحيانًا أن تبدو وكأنك غبي، إذًا: ليس من المستحب أن تظهر كل ما عندك، أن تزهو على الناس بما وهبك الله عز وجل:
{فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ}
الشيطان يحب أن يوقع العداوة والبغضاء فيما بين الناس، وفيما بين الأقارب، وفيما بين الزوجين، وفيما بين الأخوين، وفيما بين الشريكين.
{وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ}
معنى كلمة (يجتبيك) أي يختارك ويصطفيك، وبعضهم فهم أنّ النبوة هبة من الله سبحانه وتعالى، وهي كذلك، لكنها من دون كسب، قال تعالى:
{إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ}
(سورة آل عمران)