قال لي أحد سائقي التاكسي: شاهدتُ امرأة مُسِنَّة، ولا أحدَ يقف لها فوَقَفتُ لها، وأوْصلتها حيث تريد، فتحَتْ قِماشًا داخل قماش داخل قماش قد صُرَّ صرًّا، وأعطتْهُ عشرة قروش - والقصّة قديمة - فقال لها: أنا أطلب منك الدعاء! ولم يلبث أن جاءهُ رجل، وقال له: خُذني إلى المكان الفلاني فأخذه، ثمّ قال له: قِفْ، فوقَفْتُ، ثمّ قال لي: انتظِرْ، فانتظرتُ حتى فرغ من شؤونه، ثمّ أعاده إلى حيث كان، فأعطاه مبلغًا يزيدُ عن عمل يومين! إن أجري إلا على الله، فأحيانًا لماذا يعجِّل الله للإنسان بالجزاء، وقد يكون الإنسان ضعيفًا كما أنّه قد يكون قويًا؟ حتى لا تتوانى النفوس وتتقاعس عن فعل الخير، ولكن لو أنَّ الله سبحانه وتعالى لم يُعَوِّض عليك سريعًا فلتقل: إن أجري إلا على الله، يجب أن يكون لك عمل تبتغي به وجه الله لا ترجو منه مالًا ولا سُمعةً ولا جاهًا، ولا مكانةً، ولا جزاءً، ولا ثوابًا، وكلٌّ منّا له عمل ومهنة وكسبُه، يجب أن يُبقي فيه شيء لله تعالى.
صاحب مطعم يبيعُ فولًا، وثمن الصّحن ثلاث أو خمس ليرات، أحد الأطفال طلبَ منه أن يبيعه فولًا بِرُبع ليرة، فقال له: تفضَّل، وملأ له صحنه! إن أجري إلا على الله، كلّما ارتقت النفس في الإيمان كلما ازدادت أعمالنا صلاحًا، فالمال وسيلة لكسب رضا الله، وما عُبِدَ الله بأفضل من جَبْر الخواطر.
إن أجري إلا على الله فلذلك الأنبياء والصدِّيقون، وكبار المؤمنين يذوبون سعادة إذا بذلوا، فعلامة المؤمن أنه يسعد بالبَذْل، والمنافق يسعد بالأخذ، والأنبياء أعطوا ولم يأخذوا، والشِرِّيرون أخذوا ولم يعطوا، وعامة الناس يأخذون، ويعطون، يا مَن جئتَ الحياة فأَعْطيتَ ولم تأخذ، والشرِّيرون يأخذون كلّ شيء، ولا يعطون شيئًا، فأنت مِمَّن؟ مِمَّن يعطي أم مِمَّن يأخذ؟ قال تعالى: