{وَاصْنَعْ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا}
5 ـ معنى: وَوَحْيِنَا
الوحي هنا الإرشاد، أي أن الله سبحانه وتعالى تولى إرشاد سيّدنا نوح لِصُنع السفينة كيف يصنعها؟ وكيف يُصمِّمها؟ وكيف يصنع بالأخشاب؟ وكيف يصنعُ هيكلها، قال تعالى:
{وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ}
1 ـ آخرُ العلاجِ الكيُّ:
لمْ أرَ مثالًا أقرب لفهم هذه الآية من أنّ أحد الناس له ابن، وأصابه مرضٌ الموات (الغرغرين) ، وبدأ ينتشر في قدميه، فسارع إلى الطبيب فقال له: لا بدّ من قطعهما، وليس لك أن تعترض، فمهما توسّل هذا الأب لهذا الطبيب فلا جدوى، إذ ليْسَت القضيّة قضيّة توسّل، ولكنّ القضيّة قضيّة عِلْم، إنّ هذا المرض سريع الانتشار، ولا بدّ مِن بتْر العضو، قال تعالى:
{وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ}
أي أنَّ الله سبحانه وتعالى قرَّر إهلاكهم بعد أن اسْتنفذ كلّ السُّبُل، وبعد أن حكم عليهم بأنهم لا يهتدون، وبعد أن عرف من طوِيَّتهم أنَّهم لا يستجيبون، إذًا: هلاكهم لا محيد عنه، قال تعالى:
{وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ}
إذا أراد الله بقوم سوءًا فلا مردّ له، ليس معنى لا مردَّ له أي أنّ الله تعالى لا يعْفو؛ لا، ليس من هذا القبيل، ولكن لأنَّ هذا المرض الذي فشا فيهم لا بدّ من معالجته، وبتْر هذا العضو، فلو كان الطبيب مختصّ بهذا المرض، وابنه فلذة كبده أُصيب بهذا المرض الموات، لا بدّ من أن يقرّر الأب الطبيب قطع هذه اليد؛ لكيلا يسري هذا المرض في بقيّة الأعضاء، فالله سبحانه وتعالى يمهل ولا يهمل، لا بدّ من ساعة يُحاسب فيها الإنسان، ولا بدّ من ساعة يدفع ثمن المعاصي باهظة، قال تعالى: