كلّ إنسان جاء إلى الدنيا لِيُؤكّد ذاته، ذاته الخَيِّرَة، أو ذاته الشرِّيرة، وليظهر ما إذا كان أمينًا أم خائنًا، صادقًا أم كاذبًا، مُحْسنًا أم مسيئًا، مؤمنًا أم كافرًا، رحيمًا أم قاسيًا، منصِفًا أم ظالمًا؛ طبيعة الحياة، وطبيعة الأعمال، وطبيعة الشهوات، وطبيعة الأموال، وطبيعة العلاقات الاجتماعيّة؛ هذا كلّه يكشف الإنسان، فيوضع كلّ يوم أمام امتِحانات صعبة؛ إما أن ينْحاز إلى الحق أو إلى الباطل، إما أن ينضمّ إلى مبدئِهِ، أو إلى مصلحته، إما أن يضَع مبدأهُ تحت قدمِهِ، وإما أن يضع شهوته تحت قدمه، قال تعالى:
{وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ (30) }
(سورة المؤمنون)
كلّ واحد منَّا يوضع في مواضع كثيرة يُمْتحَنُ بها، يُمْتَحَنُ صبرُهُ، ويُمْتحنُ توكّله، ويُمْتحنُ تفويضه، ويُمْتحنُ استسلامه لله عز وجل، وتُمْتحنُ قوّة إرادته، قال تعالى:
{وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ (30) }
(سورة المؤمنون)
كأنّ الله سبحانه و تعالى قد خلقنا في عالم الأزل، وجاء بنا إلى الدنيا لِيُثبت كلّ مِنَّا ذاته وصفاته، وخيره أو شرّه، والحياة الدنيا دار ابتلاء، لذلك قال العلماء: الدنيا دار تكليف والآخرة دار تشريف، والدنيا دار امتِحان، والآخرة دار العطاء، والدنيا إعداد، والآخرة رشاد، فالإنسان في الآخرة يسْعد، ولكن في الدنيا يُمتحن، فعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْمَسْجِدِ وَهُوَ يَقُولُ بِيَدِهِ هَكَذَا، فَأَوْمَأَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ بِيَدِهِ إِلَى الْأَرْضِ: