أُحْكِمَتْ آياته، أيْ الآيات مُفْعَمَةٌ بالحِكمة، المعنى الأوّل، وأُحْكِمَت آياته أيْ ترابَطَتْ، في السورة الواحِدَة عرْضٌ لِحَقائق التَّوحيد، ثمَّ قِصَّة فيها تطبيق عملي لهذه الحقائق، ثمَّ وصْفٌ لمَشاهِدِ الآخرة، وهي العِقاب الذي ينتظر المنْحَرِفين والثَّوَاب الذي ينتظر المستقيمين، فَذِكْرُ حقائق التَّوحيد، ثمَّ ذِكْرُ قِصَة تُجَسِّدُها، ثمَّ ذِكْرُ المآل مِن جنَّة أو نار؛ هذا ترابط، أحيانًا تأتي آيات العذاب فَتَخاف النفس لكي لا يُفضي بِها الخوف إلى اليأس تأتي آيات الرَّحمة فَتَقْلِبُها من التَّشاؤُم إلى التفاؤل، والله سبحانه وتعالى جعلَ هذا الكتاب كِتاب تفاؤُلٍ وهداية ورشاد، فيه تَبْيِينٌ للحلال والحرام، وتبْيينٌ لِعَظمة الله عز وجل عن طريق آياته الكَوْنِيَّة، وفيه ذِكْرٌ لِما مضى، وذِكْرٌ لما سيَكون وفيه وصْفٌ لِمَشاهِدِ يوم القيامة، وفيه آياتٌ كَوْنِيَّة.
ومعنى الحِكمة والإحكام، ومعنى الإحكام الترابط، ومعنى الإحكام دِقَّة الصّنع، ومعنى الإحكام الإيجاز؛ كلّ هذه المعاني الأربعة تنْضَوي تحت كلمة كتاب أُحكِمَتْ آياته.
قال تعالى:
{الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ}
1 ـ معنى: فُصِّلَتْ
فُصِّلَت سُوَرًا، وفُصِّلَت السُّوَر آياتٍ، وكلّ آيةٍ لها معنى قائمٌ بِذاته، لو نزَعْتَ هذه الآية مِن السِّياق لكان لها معنى قائِمٌ بِذاته، قال تعالى:
{وَلا تُؤْمِنُوا إِلا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ}
(سورة آل عمران: من الآية 73)