والمعنى الثالث أحْكَمَ الشَّيء أَتْقَنَهُ، أيْ كتابٌ آياتهُ لا يأتيها الباطل، ولا الخلل، ولا النَّقْص، ولا الزِّيادة، ولا الخطأ، ولا الخلَط، متناسِقَةٌ ومَضْبوطة، وهذا المعنى الثالث.
المعنى الرابع:
ومعنى الإحكام الرابع، مِن الحِكْمة، أيْ ذَكَرَ أشياء لِحِكمة بالغة، وأمرَ بِأَشياء لِحِكمة بالغة، ونهى عن أشياء لِحِكمة بالغة، وسكَتَ عن أشياء لِحِكمة بالغة، فالإحكام من الحِكْمة، والإحكام من الترابط، والإحكام من الإيجاز، والإحكام مِن دِقَّة الصِّياغة، قال تعالى:
{الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ}
لكنَّ هذا الكتاب هو على الظالمين عمًى! قال تعالى:
{وَنُنَزِّلُ مِنْ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ولا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا (82) }
(سورة الإسراء)
هذا الكتاب يحتاج فَضْلًا عن دِقَّة الفَهْم وإحكام النَّظَر، يحتاج إلى نفسٍ صافِيَةٍ، وقلبٍ سليم، بل إنَّ بعض العلماء حينما فسَّرَ قوله تعالى:
{لا يَمَسُّهُ إِلا الْمُطَهَّرُونَ (79) }
(سورة الواقعة)
وجَّه الآية توجْيهًا إضافيًّا يزيدُ عن معناها المادّي، وجَّهَهَا توجيهًا إلى أنَّ طاهِرَ النَّفس هو الذي يُدْركُ معاني القرآن الكريم، ولهذه الحقيقة تفسير واضِح، الإنسان المُتَلَبِّس بالرِّبا لا يستسيغُ أن يفهمَ آيات الرِّبا كما هي عليه، يُحاوِلُ أنْ يُزَوِّرَها، وأنْ يفْهمها فهمًا خاطئًا، كي يُغَطِّي نفسَهُ، هذا عنده خللٌ داخلي يُحاوِلُ أن يُصْلِحَ هذا الخَلَل، وأن يُقيمَ توازنهُ من توجيه الآيات توجيهًا خاطئًا، فالمُتَلَبِّسُ بالمعاصي، إذًا: لا يُمْكنُ أن يفْهم كتاب الله تعالى على حقيقته، ولن يفْهمهُ على حقيقتِهِ إلا مَن كان مستقيمًا على أمرهِ، لذلك قال تعالى:
{لا يَمَسُّهُ إِلا الْمُطَهَّرُونَ (79) }
(سورة الواقعة)