إذًا: ربنا عزَّ وجل إذا عزا الفعل إليه فمعنى ذلك: أن هذا الفعل من حيث التنفيذ بيده، أما من حيث السبب بيد فلان، كأن تقول: المعلِّم رَسَّبَ فلانًا الفلاني، قرار الترسيب بيد المعلِّم، وهو الذي كتب رَسَبَ في صفِّه، وهو الذي وقَّع، لكن هذا الطالب رسب لاستحقاق، لأنه كسول، فإذا رأيت فعلًا في القرآن قد عُزِيَ إلى الله لا يذهبنَّ بك الظن إلى أن الله شاءت إرادته أن يفعل بفلانٍ كذا وكذا من دون اختيارٍ منه، نحن مخيَّرون في إرادتنا، ومسيَّرون في أعمالنا، وتسييرنا لما اخترنا.
تسيير الله عزَّ وجل يُحْمَلُ على ثلاث احتمالات، إما أن يسيرنا الله سبحانه وتعالى لتحقيق اختيارنا، فهذا التسيير تجسيدٌ لاختيارنا، وإما أن يسيرنا لتشجيعنا على نيات طيّبة أو عملٍ طيّب، فهذا إكرام، وإما تسييرٌ يؤدِّبنا فيه على تقصيرنا، إذًا التسيير من الله تعالى إما تجسيد، أو تشجيع، أو تأديب، وعمل الإنسان مبنيٌّ على اختياره، والإنسان مخيَّر، لكنَّه إذا اختار معصية الله عزَّ وجل يسيِّرُهُ الله لتحمُّل نتائج عمله، كما لو أن مواطنًا اختار أسلوبًا خاطئًا في التعامل، والقوانين تحظِّر هذا الأسلوب .. مثلًا .. هو اختار ذلك، وبعد أن اختار ذلك ليس مخيَّرًا بعدها في أن لا يلقى نتائج أعماله، لابدَّ من أن يلقى نتائج أعماله بحسب اختياره، فكلمة:
{كَذَلِكَ نَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِ الْمُعْتَدِينَ}
إذا عُزِيَ الطبع إلى الله عزَّ وجل فلأسبابٍ تعود كليَّةً إلى العبد لقوله تعالى:
{فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ}
(سورة الصف: من الآية 5)
3 ـ الذي يعتدي لا بد له من عقاب:
هناك معنى آخر يُستنبط من هذه الآية، وهو أن الذي يعتدي .. بالمعنى الواسع لا بد له من عقاب ..