هذا مثلٌ مِن واقعنا: لو أننا جمعنا سائقي السيارات في بلدةٍ ما، وألقينا عليهم محاضرةً عميقةً جدًا عن مضار السرعة، فهؤلاء السائقون يتأففون، يتململون، لا ينتبهون، يصرون على أنهم قادةٌ مهرة وسائقون يقظون، فإذا رأى أحد السائقين المتهورين حادثًا مروِّعًا مؤلما، وقد سالت فيه الدماء، وبُتِرَت فيه الأعضاء فهذا المنظر يدخل في نفسه إلى المكان الذي يؤثِّر فيه، ويتعظ، فالإنسان بالقصة يتعظ، فأن ترى حادثًا مروعًا بسبب السرعة أبلغ من أن تقرأ كتابًا عن مضار السرعة، لأن هذا شيء حيوي، ومثل حي، لذلك قالوا:"القصة هي فكرةٌ مع البرهان عليها".
يمكن أن أحدثك عن مُرابٍ كيف تَدَمَّرَ مالُه، وهذا الحديث أبلغ من أن أقول لك: الربا حرام، لذلك المُرَبِّي، المعلم، الأب في البيت، يستطيع أن يستغل طاقة القصة التربوية إلى أقصى الحدود، إذا جلس أب مع أولاده ليحدِّثهم، وكانوا صغارًا، حتى ولو كانوا كبارًا يستطيع أن يسلك معهم أسلوب القصة، قصة شاب استقام على أمر الله، فرفع الله شأنه، سيدنا يوسف مثلًا، شاب، عبدٌ في قصر، لا يملك من أمره شيئًا، ماذا فعل؟ لم يفعل إلا أنه خاف الله رب العالمين، و:
{قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (23) }
(سورة يوسف)
فكافأه الله أن جعله عزيز مصر، فأيها الأب، أيها المعلم، أيها الموجِّه، أيُّ إنسان هو في موقع التوجيه، عندك محل فيه خمسة عمال، وأنت لك إشراف عليهم، عندك أسرة، أنت معلم بمدرسة، موظف تحت يدك سبعة موظفين، لك صفة الإشراف، صفة التوجيه، فكل إنسان في موقع التوجيه أو الإشراف قد يستخدم القصة كما استخدمها ربنا سبحانه وتعالى ليعظنا بها، فبالقصة تصل إلى أعمق ما في الإنسان، وبالقصة تصل إلى مكان التأثير، فربنا عزَّ وجل في قصة نوحٍ عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام قال: