هذا مثل من يقول لآخر: صف لنا طعم العسل، فيجيبه أنه من الصعب والله، إذا ذقه فقط فستعرفه فمن ذاق عرف، استقم استقامة تامَّة، وقدِّم أعمالًا صالحة لوجه الله عزَّ وجل خالصة من كل شائبة، ثم تعال وقل لي ماذا حدث لك، تعال وقل لي أي سعادة عشت؟ وإلى أي مدى اطمأننت؟ وكيف نزَّل الله على قلبك السكينة؟ وكيف يسَّر لك الأمور؟ وكيف أصبح لك بيتك؟ وكيف أصلح لك جسدك؟ وكيف أصلح لك معيشتك؟ وكيف أكرمك في الدنيا قبل الآخرة؟
"كن لي كما أريد أكن لك كما تريد، كن لي كما أريد ولا تعلمني بما يصلحك".
{وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا}
بعضهم يعتقد أن المسرحيَّة .. مثلًا .. تهذِّب النفوس، هذا ظن، وآخر يعتقد أن الاختلاط يهذِّب المشاعر، وثالث يعتقد أن الموت نهاية الحياة لا بعث بعده، ولا أي شيء آخر، هناك من يعتقد أن المال هو السعادة، وأن الدراهم مراهم .. وكل إنسان يتصوِّر فكرة متوهمًا إيَّاها أنها حقيقة وهو يظنها ظنًا، هذه مصيبة كبيرة، وإذا كان الإنسان على وشك الموت عطشًا، وتوهَّم الماء بجهة معيَّنة، وذهب إلى هذا المكان فما لبث أن مات هناك عطشًا لأنه لم يجد ماء، بين أن تكون متأكِّدًا من وجود الماء وبين أن تكون واهمًا قضية موت أو حياة، إذا بقي في حياته ربع ساعة، وقالوا له: في هذه الجهة يوجد ماء، لكنه ليس متأكِّدًا وجود الماء، هل يستهلك هذه الربع ساعة في مسير إلى مكان غير مؤكَّد؟ يكون قد غامر بحياته، لكن إذا كان متأكِّدًا من وجود ماء، وذهب إليه فهو على حق عندئذٍ، وسينجو بحياته ..
{وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنْ الْحَقِّ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ}