فهرس الكتاب

الصفحة 832 من 22028

لكن هذا الحسد من عند أنفسهم، ما الحسد؟ هذه جبلَّةٌ في الإنسان، هل هي مذمومةٌ دائمًا؟ لا، فهي جبلَّةٌ حياديَّة، خصيصةٌ حياديَّة، الإنسان مجبول على أن يتمنَّى ما عند الآخرين دون أن يزول عنهم، أي أنه يغار، يتمنَّى ما عند الآخرين هذه جبلَّة، هي في الأصل حياديَّة، إن وُظِّفت في الحق سميت الغِبْطَة. أنت كإنسان ترى إنسانًا أعلم منك في الدين تتمنَّى أن تكون مثله، ترى إنسانًا حافظًا لكتاب الله تتمنَّى أن تكون مثله، ترى إنسانًا أجرى الله على يديه الخيرات تتمنَّى أن تكون مثله، هذه جبلَّة جُبِلَ عليها الإنسان، حينما صرفها للخير ارتقى بها إلى أعلى عليين، فإذا تَمَنَّيت أن تكون من أهل الدنيا هذا حسد، إن صُبَّت هذه الخصيصة على الدنيا كانت الحسد، وإن صُبَّتْ على الآخرة كانت الغبطة. جبلَّةٌ حياديَّة لا تُمدح ولا تذم، تُوظَّف في الخير أو في الشر، أي أن تتمنى ما عند الآخرين، أما الحسد وهو الجانب السلبي، الجانب المنهي عنه حينما ترى إنسانًا غنيًا تتمنى أن يزول المال عنه:

{حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ (109) }

تتمنَّى بعد ذلك أن يتحوَّل المال إليك، هذه أقل سوءًا، وقد تفعل بيدك ما تصرف ماله إليك، هذه صارت جريمة، حينما تتمنى أن تزول النعمة عن أخيك هذا حسد، بصرف النظر عن تحوِّلها إليك أو عدم تحوُّلها إليك، وحينما تفعل بنفسك ما يزيل النعمة عن أخيك فهذه جريمة، أما حينما تتمنى أن تكون عالمًا كعلم أخيك، حافظًا كحفظ أخيك، لك عملٌ طيبٌ كعمل أخيك هذه غِبْطَة، من هنا قال عليه الصلاة والسلام:

(( لا حَسَدَ إِلا فِي اثْنَتَيْنِ: رَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ مَالا فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ آنَاءَ اللَّيْلِ وَآنَاءَ النَّهَارِ، وَرَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ الْقُرْآنَ فَهُوَ يَقُومُ بِهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَآنَاءَ النَّهَارِ ) )

[الترمذي عن سالِم عن أبيه رضي الله عنه]

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت