(( إذا مات العبد رفرفت روحه فوق النعش تقول: يا أهلي يا ولدي، لا تلعبن بكم الدنيا كما لعبت بي، جمعت المال مما حل وحرم، فأنفقته في حله وغير حله، فالهناء لكم، والتبعة علي ) )، ثم يقول عليه الصلاة والسلام: ما من بيتٍ إلا وملك الموت يقف فيه في اليوم خمس مرات، فإذا رأى أن العبد قد انقضى أجله، وانقطع رزقه ألقى عليه غَمَّ الموت فغشيته سكراته، فمن أهل البيت الضاربة وجهها، والصارخة بويلها، والنادبة حظها، فيقول ملك الموت:"فيم الجزع؟ ومم الفزع؟ ما أذهبت لواحدٍ منكم رزقًا، ولا قرَّبت له أجلًا، وإن لي فيكم لعودة ثم عودة حتى لا أبقي منكم أحدًا )) ، قال عليه الصلاة والسلام:"فو الذي نفس محمد بيده لو يسمعون كلامه، ويرون مكانه لذهلوا عن ميِّتهم، ولبكوا على أنفسهم )) ، ويقول عليه الصلاة والسلام، وهذا مقصد الشاهد: (( لو تعلمون ما أنتم عليه بعد الموت ما أكلت طعامًا عن شهوةٍ، ولا شربتم شرابًا عن شهوةٍ، ولا دخلتم بيتًا تستظلون فيه ) ).
فإذا كان هناك أمر خطير جدًا، كأن يكون عند الإنسان امتحان في الصف الأخير، صف التخرج، ومعلَّقٌ على تخرجه آمال كبيرة، وهو يمشي في الطريق ماذا يرى؟ أنا أقول: لا يرى شيئًا، لشدة اهتمامه بالامتحان لا يرى شيئًا أبدًا، فلان رآه في الطريق الفلاني، الواجهة الفلانية، المحل الفلاني، لا يرى شيئًا، هو في شغلٍ عما حوله، ولو عرف الإنسان ربه حق المعرفة لكان في شغلٍ عما سوى الله، لذلك:
(( مِنْ حُسْنِ إِسْلامِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لا يَعْنِيهِ ) ).
[من سنن الترمذي عن أبي هريرة]
مشغول، له هدف كبير، فرصةٌ قصيرٌ بسعادةٍ أبدية، كل دقيقة محاسبٌ عليها، حتى إن أهل الجنة لا يندمون إذا دخلوا الجنة وسعدوا بها إلا على شيءٍ واحد؛ على ساعةٍ مرت لم يذكروا الله فيها.