فلذلك في هذه الغزوة بعض المنافقين تخلفوا بأعذار واهية، وبعضهم تخلفوا بأعذار مقبولة، وبعضهم كانوا مع النبي الكريم، فجاءت الآية: {لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ} .
قد يسأل سائل: ما نوع توبة الله على النبي وهو المعصوم؟ الحقيقة هناك إضاءة لابد منها هو أن الله سبحانه وتعالى عصم النبي الكريم من أن يخطئ بأقواله، وأفعاله، وإقراره، ولكن ترك له هامشًا ضيقًا هو الهامش الاجتهادي، لماذا تُرك له هذا الهامش؟ قال: في هذا الهامش الاجتهادي الذي تركه الله له يجتهد، فإن أصاب أقره الوحي على ذلك، وإن لم يصب جاء الوحي فصحح له، ولكن هذا الهامش، وهذا التصحيح، قال عنه بعض علماء السيرة: إن الله أراد ذلك ليكون هناك فرق بين مقام الألوهية، وبين مقام النبوة، أو مقام البشرية، هذا الهامش الضيق الاجتهادي الذي تُرك له أراد الله منه أن يكون الفارق واضحًا، فرق بين مقام الألوهية وبين مقام النبوة، لكن الذين تبحروا في هذا الموضوع وجدوا أن عتب الله على النبي عتبًا له لا عليه، لأنه اجتهد وفعل الأصعب، فكل عتب الله عز وجل على النبي في الهامش الضيق الذي تركه له، هو عتب له وليس عليه.
{طه * مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآَنَ لِتَشْقَى}
[سورة طه]
{عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى}
[سورة عبس]
فكل الآيات التي جاءت في ظاهرها تعاتب النبي عليه الصلاة والسلام هي في مضمونها تعتب له لا عليه.
كأن يدخل الأب إلى غرفة ابنه يراه منكبًا على الكتاب، دخل إلى غرفته الساعة التاسعة فرآه منكبًا على الكتاب، الساعة الحادية عشرة رآه منكبًا على الكتاب، الساعة السادسة فجرًا رآه منكبًا على الكتاب، فعتب له، قم واسترح قليلًا يا بني، هل هذا عتاب عليه؟ لا، عتاب له.