لماذا أمر الله عزَّ وجل المسلمين بالتوجُّه لبيت المقدس ونُسِخَ التوجُّه إلى الكعبة، طبعًا إذا توجَّه المصلي إلى بيت المقدس ليس هناك جُهد إضافي، وبالمقابل لا يخفَّف عنه بجهدٍ آخر، العمليَّة هكذا أو هكذا، نحو مكَّة أو نحو بيت المقدس، ولكن الله أراد من هذا النسخ ـ نسخ التوجُّه إلى بيت الله الحرام، وأن يحل محله التوجُّه إلى بيت المقدس ـ هذا الأمر من أجل أن يعلم الخلق جميعًا أن الدين الإسلامي هو دين أهل الأرض، وهو خاتم الأديان، لذلك الأديان السماويَّة مركزها في بيت المقدس. والمسلمون توجَّهوا لبيت المقدس؛ أولًا هذا الدين يستوعب كل الأديان، وثانيًا بعدئذٍ ينبغي أن تتبعه الأديان كلها+.
هذا النسخ لعلَّةٍ إيمانيَّةٍ محضة، ليس هناك مكان مقدَّس ولكن هناك أمرٌ إلهيٌ مقدَّس، القدسيَّة لا في المكان ولكن في الأمر الإلهي، وأراد الله أن يمتحن المؤمنين، هناك من يتعلَّق بالمكان وهناك من يتعلَّق بخالق المكان، فهذا امتحان، أنت مع المكان أم مع خالق الأكوان؟ فالمؤمنون الصادقون أُمروا بالتوجُّه إلى بيت المقدس فتوجَّهوا له، ثم أُمروا أن يعودوا إلى الكعبة المشرَّفة فعادوا إليها، انتهى الأمر، أنا مع خالق الأكوان ولست مع المكان لعلَّةٍ إيمانية ولحقيقة قرآنية وهي أن القدسية في الأمر وليست في المكان، وهم لم يتكلَّفوا شيئًا إضافيًا، ولا وضع عنهم تكليفٌ معيَّن.
المعنى الأول لكلمة (خير منها) :
قال تعالى:
{مَا نَنْسَخْ مِنْ آَيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا (106) }
نغفل نسخها:
{نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا (106) } .
كيف تكون خيرًا منها؟ فالصحابة في أول إقبالهم على هذا الدين الجديد:
{إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ (65) }
(سورة الأنفال)
أي واحد لعشرة، إذا كان الصحابي تولَّى من ساحة المعركة والعدد كان تسعة يحاسب بأكبر معصية وهي التولي في الزحف. ثم قال الله عزَّ وجل: