هناك موضوع دقيق، قال بعضهم: لا نسخ في القرآن، انطلاقًا من أنه ينفي البداءة عن الله عزَّ وجل، ما البداء؟ طبيب وصف دواء لمريض، بعد أن وصف له الدواء واشترى المريض هذا الدواء، وبدأ يأخذ منه بعض الحَبَّات بدا للطبيب أن هذا الدواء لا يصلح له، ولا بد من دواءٍ آخر، فأمره أن يلغي الدواء الأول وأن يأخذ الدواء الثاني. إذا كان النسخ بهذا المعنى فلا وجود له في القرآن، لأنه لا يمكن أن يبدو لله شيءٌ لم يكن باديًا له من قبل، هذه صفات البشر وليست صفات خالق البشر.
أما أن يأمر الطبيب المريض أن يأخذ حبَّات أسبرين لتمييع الدم، بعد هذا قرَّر الطبيب إجراء عملية قلب مفتوح لهذا المريض فأعطاه أمرًا بإلغاء تناول الأسبرين. حدَّثني طبيب قلب جرَّاح فقال لي: حدث خطأ من مريض أنه أخذ الأسبرين ولم يبلِّغ. نجحت العمليَّة نجاحًا باهرًا، ولكن أثناء الخياطة ـ خياطة القلب ـ كان الدم يخرج من الجُرح بشكلٍ غير معقول أثناء النبض، مما أدى لموت المريض، لأن الدم مائع. فالطبيب الذي يأمرك بأن تأخذ حبَّات الأسبرين من أجل تمييع الدم، ثم يقرِّر أن يجري عملية قلبٍ مفتوح، يعطي أمرًا معاكسًا، يجب أن توقف الأسبرين. في مرحلةٍ من المرض لا بد من تمييع الدم، فلمَّا أردنا إجراء عمليَّة لا بد من إلغاء التمييع وإلا يموت المريض، فهذا الطبيب أمر ثم نسخ الأمر أي ألغاه، وقد يعود إليه مرَّة ثانية بعد العمليَّة. هذا المعنى هو نفسه المقصود في القرآن.
الحكمة من نسخ التوجُّه إلى بيت الله الحرام وأن يحل محله التوجُّه إلى بيت المقدس:
يقول الله عزَّ وجل:
{مَا نَنْسَخْ مِنْ آَيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا (106) }
هناك ثلاث حالات، آيةٌ يلغى حكمها، وآية يأتي مكانها حكم آخر من مثلها، وآيةٌ يلغى حكمها ويأتي حكمٌ آخر خيرٌ من الأول، ما تفصيل ذلك؟