والحقيقة لا يعرف الشوق إلا من يكابده، لا يعرف مشاعر الإنسان المذنب حينما يتوب توبة نصوحة إلا من ذاق هذه المشاعر.
أقول لكم مرة ثانية: كأن جبالًا كانت جاثمة على ظهره، فلما تاب توبة نصوحة أزيحت هذه الجبال عن كاهله، وشعر بخفة وراحة نفسية لا تعدلها راحة.
إذًا من صفات المؤمنين أنهم تائبون، لكن أقول لكم وهذه حقيقة مرة: إن التوبة الأولى سهلة جدًا، أما الثانية فأصعب، والثالثة أصعب وأصعب، كأنك لم تفِ بوعدك، ولم تكن عند عهدك، لكن ليس هناك إلا التوبة نجاة لنا من كل شيء.
كأن التوبة بدأ الله بها لأنها تنهي عهد المعصية، عهد التفلت، زمن الانغماس في الملذات، تنهي الشرود عن منهج الله، تنهي وضعًا غير لائق في الإنسان، تنهي وضعًا لا يرضي الإنسان، تنهي وضعًا لا يرضي الله، هذا الزمن انتهى بالتوبة، كأن التوبة حد فاصل بين زمن وزمن، بين حال وحال، بين واقع وواقع، بين معطيات ومعطيات، هذا الحد الفاصل نقلك من المعصية إلى الطاعة، من البعد عن الله إلى القرب منه، من التشتت إلى الجمع.
(( من أصبح وأكبر همه الآخرة جعل الله غناه في قلبه، وجمع عليه شمله، وأتته الدنيا وهي راغمة، ومن أصبح وأكبر همه الدنيا جعل الله فقره بين عينيه، وشتت عليه شمله، ولم يؤته من الدنيا إلا ما قدر له ) )
[الترمذي عن أنس]
{التَّائِبُونَ} ، من صفاتهم بعد التوبة أنهم عابدون، العبادة خضوع لمنهج الله، خضوع لما أمر، وابتعاد عما عنه نهى وزجر، ثم العبادة التقرب إلى الله بالطاعات، وبالأعمال الصالحة، وبالبذل، بل إن علة وجود الإنسان في الدنيا هو العطاء.
مرة قرأت كتابًا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا بالمؤلف يقدم هذا الكتاب للنبي الكريم، قال في الصفحة الأولى من هذا الكتاب:"يا من جئت الحياة فأعطيت ولم تأخذ".