لذلك أيها الأخوة، النقطة الدقيقة أن المتطوعين هؤلاء المؤمنون، قد يكونوا فقراء فصاموا صيام نفل، قد يكونوا فقراء فجاهدوا مع رسول الله، قد يكونوا فقراء فجمعوا أموال الزكاة حسبة لله عز وجل، فهؤلاء الذين ابتعدوا عن الدين، وأرادوا أن يجمعوا بين تفلت الكفار وبين مكاسب المؤمنين هم المنافقون، هؤلاء همهم النقد، بل إني أسميهم أحيانًا القناصين، قناص، أي خطأ رآه يبالغ به، ويعرض عضلاته أمامك حيال هذا الخطأ، فالله عز وجل انتقدهم في هذه الآية: {الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ} ، المتطوعين المؤمنين الذين أرادوا التقرب إلى الله بنوافل العبادات، صام صيام نفل، وصلى صلاة نافلة، ودفع فوق زكاة ماله مالًا، وفعل أي شيء يتقرب به إلى الله عز وجل، لذلك:
(( وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ ) )
[البخاري عن أبي هريرة]
هؤلاء المتطوعين:
(( ... حَتَّى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ ) )
[البخاري عن أبي هريرة]
الآن أي شيء يستمع إليه يعرضه على الكتاب والسنة، فإن وافقه قبله، وإن خالفه رفضه، أو ركله بقدمه، عندك منهج، أنت ممكن أن تقر إنسانًا احتال وجمع مالًا طائلًا وتعتبره ذكيًا أو عاقلًا؟ لذلك قالوا: ما كل ذكي بعاقل، قد يحمل الإنسان أعلى شهادة في العالم، الفيزياء النووية، فإن لم يعرف ربه، ولم يستقم على أمره، ولم يعمل لآخرته، فهو ليس بعاقل، نقول: هو ذكي جدًا، لكن ليس بعاقل، المقولة دقيقة: ما كل ذكي بعاقل، العقل متعلق بالأشياء الكبيرة جدًا، بسر مجيئك إلى الدنيا، ما عرفت ماذا بعد الموت؟ ما فكرت ما الذي يسعدك؟ ما بحثت؟ فالذي لا يبحث عن سر وجوده، وعن غاية وجوده، وعما ينبغي أن يفعله في الدنيا، يكون غير عاقل وما كل ذكي بعاقل، لأن الحياة محدودة جدًا.