إذًا في بعض الآيات كهذه الآية: {عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ} ، رأي العلماء وهو رأي دقيق وصائب، أنه ترك للنبي عليه الصلاة والسلام هامش اجتهادي، فإن اجتهد النبي وأصاب أقره الوحي على ذلك، وصار كأنه وحي، وإن ترك ما ينبغي أن يقوله جاء الوحي وصحح له كهذه الآية، وكآية: {عَبَسَ وَتَوَلَّى} ، لماذا؟ ليكون هناك فرق بين مقام الألوهية المطلق وبين مقام البشرية، لولا هذا الهامش الاجتهادي، ولولا أن الوحي في بعض الآيات صحح للنبي عليه الصلاة والسلام لكان كلام النبي مطلقًا، ومعنى مطلق أنه ربما يؤله بعد حين، لذلك أراد الله أن يكون هناك فرق بين مقام الألوهية المطلق، وبين مقام البشرية.
أخواننا الكرام، مثلًا: لو قاض أصدر ألف حكم بحياته، حكم واحد لم يكن دقيقًا، لا أقول: ما كان عادلًا، ما كان دقيقًا، هو عند أهل الأرض قاضٍ عادل، لو عشرة أحكام من ألف لم تكن هذه الأحكام دقيقة يسمى عند أهل الأرض قاضيًا عادلًا هذا في شأن الإنسان، أما في شأن الواحد الديان فلو أنه ظُلم عصفور واحد في تاريخ البشرية من آدم إلى يوم القيامة لا يكون الله عادلًا.
يقول بعض العارفين بالله: والله لو تشابهت ورقتا زيتون لما سميت الواسع.
مرة كنت أمشي في بعض أسواق دمشق خرج من محله التجاري أخ كريم واعترضني، وقال: أنت خطيب؟ قلت له: نعم، قال: هذا الذي جاء إلى محله التجاري في أحد أسواق دمشق ليبيع ويشتري، ويكسب رزق أولاده، وزاد على ذلك قال لي: العمل أليس عبادة؟ قلت: بلى عبادة، قال لي: سمع صوت إطلاق نار مدّ رأسه فإذا رصاصة تصيب عموده الفقري فانشل فورًا، فما ذنب هذا الإنسان؟ لم يرتكب معصية، لم يأكل مالًا حرامًا، لم يفعل شيئًا، سمع صوت إطلاق نار، مدّ رأسه فجاءت رصاصة وأصابت عموده الفقري فأصبح مشلولًا، قلت: والله لا أعلم! طبعًا يستحيل على عقلك أن يثبت عدل الله، لكن عدل الله جاءك بإخبار الله قال: