(( إن هذه الدنيا دار التواء لا دار استواء، ومنزل ترح لا منزل فرح، فمن عرفها لم يفرح لرخاء ولم يحزن لشقاء، قد جعلها الله در بلوى، وجعل الآخرة دار عقبى، فجعل بلاء الدنيا لعطاء الآخرة سببًا، وجعل عطاء الآخرة من بلوى الدنيا عوضًا، فيأخذ ليعطي، ويبتلي ليجزي ) )
[من كنز العمال عن ابن عمر]
إذًا {لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا لَاتَّبَعُوكَ وَلَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ} .
أخواننا الكرام، لذلك الإنسان بحياته موضوع الموت كفكرة وارد، أما كحقيقة فبعيد عن حقيقة الموت، كل إنسان ساكن ببيت، عنده زوجة وأولاد، له عمل، له دخل، أما مغادرة الدنيا من البيت إلى القبر، من أولاد إلى القبر، من زوجة إلى القبر، من أحفاد يملؤون البيت فرحة إلى القبر، من نزهات إلى القبر، من اجتماعات إلى القبر، من مظاهر الدنيا إلى القبر، فموضوع القبر شيء مخيف.
ورد في بعض الآثار:
(( أن الميت حينما يوضع في القبر ينادى أن عبدي رجعوا وتركوك، وفي التراب دفنوك، ولو بقوا معك ما نفعوك، ولم يبقَ لك إلا أنا، وأنا الحي الذي لا يموت ) ).
أخواننا الكرام، إن روح الميت ترفرف فوق النعش، تقول: يا أهلي! يا ولدي! لا تلعبن بكم الدنيا كما لعبت بي، جمعت المال مما حلّ وحرم، فأنفقته في حله وفي غير حله، فالهناء لكم والتبعة عليّ، ونفس محمد بيده ما من بيت إلا وملك الموت يقف فيه في اليوم خمس مرات، فإذا وجد أن العبد قد انقضى أجله، وانقطع رزقه، ألقى عليه غم الموت فغشيته سكراته، فمن أهل البيت الضاربة وجهها، والممزقة ثوبها، فيقول ملك الموت: ممَ الفزع؟ وفيمَ الجزع؟ ما أذهبت لواحد منكم رزقًا، ولا قربت له أجلًا، وإن لي فيكم لعودة، ثم عودة، حتى لا أبقي منكم أحدًا، فو الذي نفس محمد بيده لو يرون مكانه، ويسمعون كلامه، لذهلوا عن ميتهم، ولبكوا على أنفسهم.