لكن أخواننا الكرام لابدّ من حقيقة دقيقة، أن التوحيد كفكرة سهل جدًا، أما أن تعيش التوحيد هذا هو الإيمان، فرقٌ كبير بين أن تقف على فكرة التوحيد، وبين أن تعيش التوحيد، أضرب مثلًا الله عز وجل يقول:
{وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا}
[سورة الأحزاب]
الآية واضحة وضوح الشمس، ولك أن تفهمها بداهة، بل لك أن تشرحها للناس، لكن لو أنك مؤمن مستقيم، مقيم لأوامر الله تمامًا، وبيتك إسلامي، وعملك إسلامي، ودخلك إسلامي، والإنفاق إسلامي، وأنت تسعى لمرضاة الله، ولك صديقٌ على مقاعد الدراسة، بعيدٌ عن الدين بعد الأرض عن السماء، صار معه ملايين مملينة، يسكن ببيت كالقصر، مركبات متعددة، حوله خدم وحشم، لمجرد أن تقول: هنيئًا له فأنت لا تعرف الله، لأنه حينما ترى أن هذه الدنيا العريضة التي بين يديه أغلى عندك من طاعة الله ومن العمل للآخرة فأنت لا تعرف الله، بل لا تعرف من أنت، أنت مؤمن، الكلام طويل ودقيق، أنت حينما تصل إلى مرضاة الله وصلت إلى كل شيء.
(( ابن آدم اطلبنِي تجدني فإذا وجدتني وجدت كل شيء، وإن فتك فاتك كل شيء، وأنا أحب إليك من كل شيء ) )
[تفسير ابن كثير]
أنت حينما تعرف الله، وتعرف أن هذه الدنيا دار عمل وليست دار أمل، دار تكليف وليست دار تشريف، أنت حينما توقن أنك مخلوق للجنة، وفي الجنة:
(( ما لا عين رأتْ ولا أذن سمعتْ، ولا خطَر على قلبِ بَشَرْ ) )
[أخرجه البخاري ومسلم والترمذي عن أبي هريرة]
وأن الله جاء بك إلى الدنيا من أجل أن تعمل عملًا يعد ثمنًا لدخول الجنة.
{ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ}
[سورة النحل]
فهذا الذي عرف سرّ وجوده، وعرف غاية وجوده، وعرف أن الله خلقه لجنة عرضها السماوات والأرض، لذلك حينما تعرف ذلك لا تتمنى أن تكون محل أحدٍ من أهل الدنيا، أنت بحالة لا تسمح لك أن تتمنى أن تكون مع أحدٍ من أهل الدنيا.