مرة كنت في لقاء حضره كبار الصناعيين، قال أحدهم كلمة رائعة، قال: حتى في العمل الصناعي، وحتى في العمل التجاري، الأخلاق عماد هذه الأعمال، الشركات العملاقة فيها مبادئ أخلاقية، بالتعامل مع المشتري، مع الموظفين، إن طابع الرقي الحقيقي هو طابع أخلاقي أكثر من أن يكون طابعًا عمرانيًا، تنظيميًا، والجاذبية التي تتمتع بها القرون الأولى من تاريخ الإسلام تنبع بشكل أساسي من طابع الاستقامة، والنبل، والتضحية، وليس من التفوق في الحروب، أو العلوم، أو العمران.
في بدر الرواحل ثلاثمئة، والصحابة ألف، فسيد الخلق وحبيب الحق أعطى أمرًا، هو قائد الجيش، وزعيم الأمة، قال: كل ثلاثة على راحلة، وأنا وعلي وأبو لبابة على راحلة، سوى نفسه مع أقل جندي، ركب الناقة، فلما جاء دوره في المشي توسلا صاحباه أن يبقى راكبًا فقال:"ما أنتما بأقوى مني على السير، ولا أنا بأغنى منكما عن الأجر"، خُلق، رئيس دولة، زعيم أمة.
مرة في سفر، أرادوا أن يذبحوا شاةً، قال أحدهم: عليّ ذبحها، وقال الثاني: عليّ سلخها، وقال الثالث: عليّ طبخها، فقال عليه الصلاة والسلام: وعليّ جمع الحطب، قال: نكفيك ذلك يا رسول الله، قال: لا، أعلم أنكم تكفونني، ولكن الله يكره أن يرى عبده متميزًا على أقرانه، هذا هو النبي الكريم.
دخل أعرابي إلى مجلسه، تأمل، قال: أيكم محمد؟ ليس له كرسي؟ ليس له ثياب ... خاصة؟ الآن بعض رجال الدين منظره صارخ من ألف متر، من ألف متر معروف أنه رجل دين، أيكم محمد؟ هناك روايتان، الأولى قال له: أنا، والثانية قال له صحابي: ذلك الوضيء، معنى هذا أنه كان جالسًا بين أصحابه، ليس له أي ميزة، لذلك من رآه بديهة هابه، ومن عامله أحبه.
لذلك أيها الأخوة، الجاذبية التي تتمتع بها القرون الأولى من تاريخ الإسلام تنبع بشكل أساسي من طابع الاستقامة، والنبل، والتضحية، وليس من التفوق في الحروب، أو العلوم، أو العمران.