فكأن هذه البراءة جعلت التمايز واضحًا جدًا بين المؤمنين، وبين المشركين، وبين المنافقين.
الآية الكريمة:
{وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ} .
[سورة النساء الآية: 115] .
معنى ذلك أن للمؤمنين سبيلًا، هناك قيم ومبادئ بين المؤمنين، المؤمن لا يغش، ولا يخدع، ولا يخون، ولا يكذب، هذه حدود دنيا للإيمان، فإذا كنت مع المؤمنين كانوا حصنًا لك.
(( عليكم بالجماعةِ، وإِيَّاكُم والفُرْقَةَ، فَإِنَّ الشيطانَ مع الواحد، وهو من الاثنين أبعدُ ـ وإنما يأكل الذئب من الغنم القاسيةـ ) ).
[أخرجه الترمذي عن عبد الله بن عمر] .
إذًا عن طريق هذه البراءة من العهود التي لم تطبق، والمواثيق التي انتهكت، تمايز المؤمنون عن غيرهم من المشركين، وعن غيرهم من المنافقين.
الشيء الدقيق في هذه الآية: أن هذه البراءة ليست من البشر، لكنها من خالق البشر لأن خالق البشر:
{يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى} .
[سورة طه] .
يعلم ما تسره، ويعلم ما لا تعلمه، {يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى} .
لذلك عبر الإمام علي رضي الله عنه بهذه المقولة:"علم ما كان، وعلم ما يكون، وعلم ما سيكون، وعلم ما لم يكن لو كان كيف كان يكون".
فهذه البراءة من الله، من العليم، من الخبير، من الذي لا تخفى عليه خافية، إذًا هو أمر إلهي، لأنه {يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى} .
لكن بعد هذه الآية: {بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ ... عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} ، لكن لئلا نتهم أننا أخذناهم على حين غرة، قال تعالى:
{فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ} .