فما دام الله قد أسمعك الحق فهذه بِشارةٌ لك أن الله عَلِمَ فيك الخير، لأن هناك ضلالاتٌ في الأرض لا تُحْتَمَل.
هناك من يعبد النار، هناك من يعبد الأصنام، هناك من يعبد الحيوانات القميئة، هناك من يعبد موج البحر، إلى ما هُنالك، هناك من يعبد الشمس، هناك من يعبد البقر، هناك من يعبد الحَجَرَ، وإذا شرَّفنا الله بعبادته فهذه نعمةٌ كُبرى لا توصف:
{وَلَقَدْ آَتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ (87) }
هناك شيء ثان مهمٌ جدًا في هذا الموضوع وهو أن المتكلِّم يحاسب على كلامه، والمستمع يحاسب على سماعه، ماذا فعلت فيما سمعت؟ المتكلِّم يحاسب: هل طبَّقت الذي تكلَّمت به؟ أما المستمع يحاسب من نوع آخر: ماذا فعلت بالذي استمعت إليه؟ وكأن الله عزَّ وجل لا يعدُّ السماع سماعًا إلا إذا تبعه تطبيق.
الإدراك الصحيح يقتضي انفعالًا صحيحًا والانفعال الصحيح يقتضي سلوكًا معيَّنًا:
قال تعالى:
{وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لا يَسْمَعُونَ (21) إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ (22) }
(سورة الأنفال)
يقول: سمعت وهو لا يسمع، لأن السماع الحقيقي يقتضي الاستجابة، ودائمًا وأبدًا هناك قانون يربط علاقتك بالمُحيط، أنت حينما يصحُّ إدراكك تنفعل، وحينما تنفعل تتحرَّك، إدراك، انفعال، حركة، أبدًا.
أنت في بستان رأيت أفعى كبيرة، وبحسب مفاهيمك العلميَّة والحياتيَّة الأفعى قد تقتل ـ لدغتها قاتلة ـ فأنت حينما أدركت أنها أفعى حقيقيَّة لا بد من أن تضطرب، واضطرابك لا بد من أن يدفعك إلى عملٍ ما؛ إما أن تقتلها، وإما أن تولي هاربًا منها، فعلامة صحَّة الإدراك عمق الانفعال، وعلامة عمق الانفعال الحركة السريعة، فهذا الذي يرى أفعى كبيرة مخيفة ولا يضطرب، إما أنها ليست بأفعى، أو أن إدراكه غير صحيح.