أيها الأخوة الكرام، استفتِ قلبك وإن أفتاك المفتون وأفتوك. فأنت حينما تخرج من بيتك تريد أن تبيع بيتك لو رأيت أمامك دلالًا وقال لك: ثمنه ثلاثة ملايين، هل تبيعه على الفور؟ تسأل دلالًا ثانيًا وثالثًا ورابعًا وخامسًا، أما إذا كانت فتوى وراقت لك لا تسأل أحدًا آخر، يوجد معي فتوى قرأتها في مجلَّة!! لماذا في أمور الدين تكتفي بفتوى واحدة، بعالِم واحد، بمقالة في مجلة وانتهى الأمر؟ معك فتوى ومرتاح ولكنك لا تنجو من عذاب الله، أنت في أمر دنياك تعذِّب الخبراء، تسأل فلانًا وفلانًا، لماذا في أمر دينك لا تسأل؟ لماذا تكتفي بفتوى واحدة؟ إن كنت حريصًا على دينك ينبغي أن تسأل عِدَّة مصادر.
ثم إن الإنسان حينما يسأل ويأتيه الجواب إذا كان جاهلًا، إذا كان أميًا قال: مقبول منه، لأن الأمي مذهبه مذهب من يسأله، تروى كلمة عن الشيخ بدر الدين رحمه الله تعالى ـ وقد كان من أكبر علماء الشام، طبعًا من باب التواضع ـ سألوه: يا سيدي ما مذهبك؟ قال:"العوام ليس لهم مذهب"، العامَّي مذهبه مذهب شيخه، أما طالب العلم فعليه أن يقرأ الأدلَّة، هذا دليل، وهذا دليل، حينما تطلب العلم لا تُعفى من البحث عن الدليل، وحينما تأتي بالدليل والتعليل تكون طالب علمٍ شرعي، فلماذا تسأل في أمور الدنيا، وتعدِّد، وتبحث، وتناقش كي تصل إلى الحقيقة؟ ولماذا تكتفي في أمر الدين بفتوى واحدة؟
لذلك هذه الآية مخيفة بمعنى أن الذي يَتَّجِرُ بالدين، يبيع دينه بعرضٍ من الدنيا قليل، أو الذي يُقَرِّب الدين من الأقوياء والأغنياء، يقربهم منه عن طريق فتاوى ما أنزل الله بها من سلطان، هذا ماذا يفعل؟ يبيع دينه بعرضٍ من الدنيا قليل، الباخرة أحيانًا تبتلع من ماء البحر قليلًا فيبلعها كلَّها، إن اتَّجَرْتَ بالدين أهلكت نفسك كلَّها، إن ابتلعت شيئًا من ماء البحر أخذك البحر كلَّك، الآية دقيقة: