إلى أن تصل إلى درجة أن لكل معصيةٍ فتوى؛ الغناء، والرقص، والتمثيل، كل معصية لها فتوى، ما هذا الدين المرن؟ صار كالغاز، الدين غاز، في أي مكان يدخل، ينبغي أن تقول: أنا مسلم فقط، افعل ما تشاء، لك أن تكسب المال الحرام، ولك أن تضع المال في المصارف الربوية، ولك أن تلتقي مع من تشاء، فإذا وصل الدين إلى هذا المستوى انتهى الدين، الدين منهج، الدين صُلب لا يسيخ ولا يتبخَّر، فلذلك النقطة الدقيقة أنه حينما يريد أناسٌ من أعداء الدين أن يضعضعوا قيمة الدين، والذين معهم كتاب قطعي الثبوت ماذا يفعلون؟ يبدلون في التأويلات، أي أنهم يأتون بتأويلات ما أنزل الله بها من سلطان، فحينما يواجهون نصًا قطعي الثبوت، قرآنًا قطعي الثبوت، ماذا يفعلون؟ يلوون أعناق النصوص، يحرِّفون، يبدِّلون، يزورون.
الإنسان مُخير بدليل أن أقرب أقرباء النبي لم يؤمن به:
الحقيقة هناك من يُفتي بجهل، هذا إنسان جاهل، ولكن الذي يفتي بخلاف ما يعلم هذا إنسان يرتكب في الدين جريمةً كبيرة، يفتي بخلاف ما يعلم، يعلم الحكم الشرعي ولكنه يغير ويبدل ويلوي أعناق النصوص كي يصل إلى فتوى ما أنزل الله بها من سلطان، لذلك الفتوى جِسْرٌ إلى النار، والإنسان إذا كان جبانًا في الفتوى فهو بسبب ورعه وخوفه من الله عزَّ وجل.
النبي عليه الصلاة والسلام يطمع بهداية الناس جميعًا، لأنه حمل هذه الدعوة، وكل داعية صادق يطمع بهداية الناس جميعًا، ويبذل كل ما في وسعه، ولكن حينما يَصُدُّ الناس عن النبي، وحينما لا يستجيب الناس لهذه الدعوة، هذا لا يقدح في نزاهة الداعية، ولا يقدح في إخلاصه ولا في صدقه، لأن الإنسان مُخير، بدليل أن أقرب أقرباء النبي لم يؤمن به، عمه أبو طالب لم يؤمن به، أبو جهل، أبو لهب، أعمامه لم يؤمنوا به:
{تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ (1) مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ (2) }
(سورة المسد)
من هنا قال عليه الصلاة والسلام: