لأن كل معصيةٍ لها مستوى، الذي يشرب الخمر يضر نفسه، والذي يزني يؤذي معه فتاةً، والذي يأكل الربا يُسْهِمُ في انهيار مجتمعٍ بأكمله، لأن هذه الكتلة النقدية في الأصل ينبغي أن تكون بين أيدي الناس جميعًا، موزعةٌ بين أيدي الناس، فبأيَّة طريقةٍ إذا اجتمعت في أيدٍ قليلة وحُرِمَت منها الكثرة الكثيرة كانت الكوارث، والحروب، والمنازعات، والشقاء البشري، فقد قرأت البارحة إحصاءً: أن ثلاثة أرباع موارد الأرض، الخمس قارَّات، الثروات الباطنية، كل ما في الأرض من ثروات يملكها عشرون بالمئة من سكان العالم، ثلاثة أرباع ما في الأرض يملكها عشرون بالمئة من سكان العالم، لذلك تمتلئ الأرض ظلمًا وعدوانًا حتى يأتي أخي عيسى فيملؤها قسطًا وعدلًا.
تحريم ربنا الربا ليضمن أن يعيش الناس جميعًا في سعةٍ وأمنٍ وبحبوحة:
أيها الأخوة، من أجل أن تبقى هذه الكتلة النقدية بين أيدي الناس جميعًا حرَّم الشرع أن يَلِدَ المالُ المال، المال يَلِد بالأعمال، فإذا حصرنا كسب المال بالأعمال توازنت الأمور، ووزعت هذه الكتلة النقدية بين أيدي الجميع، بين أيدي كل من يعمل، أما إذا استطاع أحدنا بماله فقط أن ينمِّيه نماءً فاحشًا من دون عمل عن طريق الربا ما الذي يحصل؟ تتجمع الأموال كلها في أيدٍ قليلة وتحرم منها الكثرة الكثيرة، لذلك أكثر الثورات والحروب العالمية وراء سوء توزيع الثروات، طبعًا هذا شيء ثابت، فلما حَرَّمَ ربنا الربا حرمه ليضمن أن يعيش الناس جميعًا في سعةٍ وفي أمنٍ وفي بحبوحة، فهذا الذي يُبَدِّلَ ويغيِّر:
{وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ (75) }