لكن هؤلاء الروم أهل الكتاب؛ ولكن عقيدتهم لا تلتقي مع عقيدة المسلمين، تلتقي معها في بعض الجوانب، إذًا هؤلاء المؤمنون يتمنَّون أن ينتصر أهل الكتاب على الوثنيين، إذًا لعل أهل الكتاب أقرب إلى المؤمنين من الوثنيين، فالذي يؤمن أن لهذا الكون خالقًا ولكن له شريك هذا أفضل من الذي يقول: ليس لهذا الكون خالقٌ إطلاقًا، معنى ذلك الألوان متعددة وما بين الأبيض والأسود ملايين الألوان الرمادية، والإنسان كلما كان دقيقًا كلما جاء حُكْمُهُ موضوعيًا، فكلمة
{مِنْهُمْ}
لو لم تكن هذه الكلمة وهي ثلاثة حروف، لو لم تكن هذه الكلمة في هذه الآية وقرأ الآية عبد الله بن سلام، بماذا يشعر؟
{وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ (75) }
دائمًا لا تُعَمِّم، التعميم من العمى.
على الإنسان ألا يعمم أو يطلق الأحكام القطعية بل يجب أن يكون موضوعيًا في أحكامه:
كل إنسان يقول لك: هلك الناس؟ لا، بعض الناس لم يهلكوا، أو يقول: الناس لا يوجد فيهم خير، لا:
(( الخير في وفي أمتي إلى يوم القيامة ) )
[سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة]
(( أمتي كالمطر لا يُدْرَى أوله خير أم آخره ) )
[الترمذي عن ابن عمر رضي الله عنه]
(( إِذَا قَالَ الرَّجُلُ: هَلَكَ النَّاسُ فَهُوَ أَهْلَكُهُمْ ـ قَالَ أَبُو إِسْحَقَ: لا أَدْرِي أَهْلَكَهُمْ بِالنَّصْبِ أَوْ أَهْلَكُهُمْ بِالرَّفْعِ ) )
[مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه]
الذي وصفهم بالهلاك وهم ليسوا كذلك، إيَّاكَ أن تعمم، إياك أن تطلق الأحكام القَطْعِيَّة، كن موضوعيًا في أحكامك، الله عزَّ وجل قال عن فرعون:
{فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الآخِرَةِ وَالأُولَى (25) }
(سورة النازعات)
قد يقول قائل: لِمَ لَمْ يقل الله عزَّ وجل: فأخذه الله نكال الأولى والآخرة، فهذا هو الترتيب المنطقي؟ لماذا قدم الآخرة على الأولى؟ لأن فرعون قال في الآخرة:
{فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمْ الأَعْلَى (24) }
(سورة النازعات)