إن الإنسان يفنى، لكن الإنسان مع أنه يفنى فُطر وجُبل على وجوده، وعلى حب سلامة وجوده، وعلى حب كمال وجوده ـ الآن دققوا ـ وعلى حب استمرار وجوده، فالإنسان يدرك أنه سيموت، يتمنى أن يكون له ذرية، يحيى اسمه من بعده من خلالها، وأكثر الأسر في العالم الإسلامي حينما ينجب الابن ابنًا يسمى باسم أبيه تخليدًا لذكره، فالإنسان يحقق استمرار وجوده من خلال أولاده، لذلك ترابط الأب مع الابن ترابط عجيب، الأب يسعد بسعادة أولاده، ويشقى بشقائهم، كيف أن الله عز وجل قال:
{فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى}
(سورة طه)
في قواعد اللغة الأصل: فتشقيا، لكن القرآن بليغ، شقاء الزوج شقاء حكمي لزوجته، كذلك شقاء الابن شقاء حكمي للأب والأم.
والله أيها الإخوة، تأتيني اتصالات هاتفية من أم لمحت من ابنها انحرافًا، أقسم لكم بالله تكاد هذه الأم تموت من الألم، أو لمحت من ابنها زغيًا في العقيدة، أو ميلًا إلى ترك الدين، أشعر أنها تكاد تموت من الألم.
لا يمكن أن تسعد إلا إذا كان ابنك كما تتمنى، لا يمكن أن تسعد إلا إذا كان ابنك امتدادًا لك، ليس معنى هذا أن ينشأ كما نشأت، أدبوا أولادكم وعلموهم، فإنهم خلقوا لزمن غير زمنكم.
الآن هناك كمبيوتر، ومعطيات جديدة، والأب العاقل كلما ازداد عقله يتفاعل مع المعطيات الجديدة، فلا يلزم ابنه أن ينشأ على طرق جديدة عفا عليها الزمان، لكن لا يمكن أن تسعد ولك أولاد منحرفون، لا يمكن لك أن تسعد ولك أولاد زاغت عقيدتهم، وشكوا في دينهم، لا يمكن أن تسعد وللأولاد سمعة سيئة، شيء يقلق، ولا يعرف هذا إلا الآباء والأمهات، يهتز كيانهم، يتزلزل كيانهم، يتمنى أن يموت، وأن لا يرى أن ابنه أنكر هذا الدين، أو قد ترك الصلاة، أو ترك الحج، أو ترك الصيام، يتمنى أن يموت، ويرى ابنه لا يعبأ بالقيم الإسلامية.