وهذا الأعرابي الذي ركب ناقته، وعليها طعامه وشرابه، وجلس ليستريح فلما استيقظ لم يجد الناقة، أيقن أنه هالك لا محالة، بالصحراء، فبكى، وبكى، وبكى، حتى أدركته سنة من النوم، قَالَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
(( لَلَّهُ أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ حِينَ يَتُوبُ إِلَيْهِ مِنْ أَحَدِكُمْ كَانَ عَلَى رَاحِلَتِهِ بِأَرْضِ فَلَاةٍ فَانْفَلَتَتْ مِنْهُ، وَعَلَيْهَا طَعَامُهُ وَشَرَابُهُ، فَأَيِسَ مِنْهَا، فَأَتَى شَجَرَةً فَاضْطَجَعَ فِي ظِلِّهَا قَدْ أَيِسَ مِنْ رَاحِلَتِهِ، فَبَيْنَا هُوَ كَذَلِكَ إِذَا هُوَ بِهَا قَائِمَةً عِنْدَهُ، فَأَخَذَ بِخِطَامِهَا، ثُمَّ قَالَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ: اللَّهُمَّ أَنْتَ عَبْدِي، وَأَنَا رَبُّكَ، أَخْطَأَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ ) )
[مسلم]
أيها الإخوة، الله ينتظرنا، لو يعلم المعرضون انتظاري لهم، وشوقي إلى ترك معاصيهم لتقطعت أوصالهم من حبي، ولماتوا شوقًا إلي، يا داود هذه إرادتي في المعرضين فكيف بالمقبلين؟
إذا قال العبد: يا رب وهو راكع يقول الله له: لبيك يا عبدي، فإذا قال، يا رب وهو ساجد يقول الله له: لبيك يا عبدي، فإذا قال، يا رب وهو عاص يقول الله له: لبيك، ثم لبيك، ثم لبيك.
والأب يعرف هذا المعنى، الابن المستقيم المهذب وضعه طبيعي في البيت، أما الابن المنحرف الشارد حينما يعود إلى أبيه تائبًا يمتلئ قلب الأب رحمة وفرحًا لا يوصف.
لذلك ما أمرنا إلا لأن يتوب علينا، وما أمرنا أن نستغفره إلا ليغفر لنا، وما أمرنا أن ندعوه إلا ليستجيب لنا، فالمؤمن له مصائب دفع ورفع، أما الكافر فمصيبته فمصيبة ردع قاسية جدًا، فالبطولة ألا تصل مع الله إلى طريق مسدود.