فهرس الكتاب

الصفحة 5490 من 22028

لذلك علامة العقل أن تصل إلى الشيء قبل أن تصل إليه، أن تصل إليه بإدراكك قبل أن تصل إليه بجسمك.

أروي قصة رمزية كتبها بعض الأدباء، أن سمكات ثلاثًا: كيّسة؛ أي ذكية جدًا وعاقلة، وأكيس منها؛ أي أعقل وأذكى، وعاجزة، في غدير، وإلى جانبه نهر، وبين النهر والغدير وصلة؛ فتحة، فمرَّ صيادان بالغدير وأعجبتهما السمكات الثلاث، وتواعدا أن يرجعا، ومعهما شباكهما، ليصيدا ما في من السمك، فسمع السمكات قولهما، أما أكيسهن فإنها ارتابت، وتخوفت، ولم تعرج على شيء حتى خرجت، أما السمكة الكيسة فإنها ارتابت، وتخوفت، وقالت: العاقل يحتاط للأمور قبل وقوعها، ثم إنها لم تعرج على شيء حتى خرجت من المكان الذي يدخل منه الماء من النهر إلى الغدير فنجت، فارتاحت وأراحت، وعاشت المستقبل، وعاشت ما قاله الصيادان، لأنهما سيرجعان ومعهما شباكهما ليصيدا ما فيه من السمك، هذا سلوك الكيّس، يعيش المستقبل، يخطط للمستقبل، يتوقع ما لم يقع بعد.

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ}

(سورة النساء الآية: 71)

وأما الأقل عقلًا، والأقل ذكاء فبقيت في مكانها حتى عادا الصيادان، فعاشت الواقع، غدير، ماءه وفير، دافئ، وهي مرتاحة، ولم تعبأ الكلمة التي قالها الصيادان، ولم تحملها محمل الجد، فبقيت تعيش كما هي، حتى عادا الصيادان، بسذاجة وغفلة وغباء تظن أنه لها حلاًّ جاهز، وهو الخروج من هذا المكان، فذهبت لتخرج من حيث خرجت رفيقتها، فإذا بالمكان قد سدّ، قالت: فرطتًُ، وهذه عاقبة التفريط، غير أن العاقل لا يقنط من منافع الرأي، الآن هناك مغامرة، والنجاة فيها 50% والهلاك 50%، أما السمكة الأولى فالأولى نجاة 100% لأنها عاشت المستقبل، عاشت ما ينبغي أن يكون، وصلت إلى مجيء الصيادين قبل أن يصلا، وصلت إلى مجيئهما بعقلها، هذا الكيّس الذكي الموفق يعيش المستقبل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت