الحقيقة أن هذه الآية من أدق الآيات، لأن الحياة بالمفهوم المادي أن يكون الكائن قادر على تحقيق مهمته، أنا قادر أن أتحرك، قادر أن أفكر، قادر أن أتخذ قرارًا، قادر أن أذهب إلى عملي، قادر أن أكسب مالًا، قادر أن أنفق على أولادي، قادر أن أربي أولادي، أنا حي، الحياة صفة بالكائن تمكنه أن يحقق أهدافه، لكنها مستويات، فالذي ينبض قلبه، والذي يرى بعينيه، ويسمع بأذنيه، وينطق بلسانه، ورأتاه تخفقان، وقلبه ينبض هو حي، هذه حياة مادية، حياة الجسم، وكل البشر أحياء مادام قلبهم ينبض، لكن أراد الله من خلال هذه الآية أن يلفت النظر إلى أن هناك حياة تليق بنا، حياة تليق بالمخلوق الأول، تليق بالإنسان المكرم، تليق بمن قبل حمل الأمانة، تليق بمن سخر الله له:
{مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ}
(سورة الجاثية الآية: 13)
أراد الله أن يبين الله لنا أن هناك حياة أرقى بكثير من حياة المادة، أرقى بكثير من أن تأكل، وتشرب، وتنجب، وتنام، وتستمتع.
لو أخذنا مثلا أعلى مستوى بالحياة المادية: بيتًا يصعب وصفه، من اتساعه، وجماله، وإطلالته، وأثاثه الرائع، والطعام والشراب، وكل ما لذ وطاب، وجميع الأجهزة، المَركبات بأنواعها، والطائرة الخاصة بأنواعها، ما الفرق بين هذا المخلوق الذي يتمتع بأعلى مستويات الحياة، وبين مخلوق من البهائم، يأكل، ويشرب، وينجب، ويستمتع بالحشيش كما تستمتع أنت بأعلى أنواع الطعام أيضًا هذه حياة.