فهرس الكتاب

الصفحة 5094 من 22028

الدنيا بكل ما فيها، لو عشت فيها عمر نوح، ألف سنة، لو ملكت ثروة قارون، لو وصلت إلى أعلى منصب فيها، لو تمتعت بصحة إلى ساعة المغادرة، لو استمتعت بكل الشهوات الحسية في أعلى درجة من المتعة، يأتي الموت فينهي كل شيء، فالموت ينهي قوة القوي، وضعف الضعيف، وغنى الغني، وفقر الفقير، وذكاء الذكي، ومحدودية المحدود، ويلغي صحة الصحيح، ومرض المريض، الموت يوحد البشر جميعًا.

التكريم أصل الحياة الآخرة:

أيها الأخوة، الموضوع في هذه الآية دقيق، أنت حينما تؤمن أنك مخلوق للآخرة تأتي حركاتك في الدنيا متناسقة مع هذا الهدف، تصور إنسانًا جاء إلى باريس، أو إلى لندن لينال الدكتوراه، حينما يكون هدفه واضحًا تمامًا تأتي حركته اليومية بجزئيات حركته، بتفاصيل حركاته وسكناته متفقة مع هذا الهدف، يمكن أن يعمل في هاتين المدينتين مليون عمل لا تتصل بهدف مجيئه لهذه البلدة، أما لو أن الهدف واضح فأول شيء: يستأجر بيتًا قريبًا من الجامعة، يوفر المال والوقت والجهد، الشيء الثاني: يصاحب صديقًا يتقن اللغة الفرنسية، يتعلم منه النطق، الشيء الثالث: يأكل طعام يعينه على الدراسة، يشتري مجلة من جنس اختصاصه، يمكن أن أذكر لك مئة تصرف لهذا الإنسان الذي هدفه واضح، كل هذه التصرفات نابعة من إيمانه أنه جاء إلى هذه البلدة كي ينال الدكتوراه.

لكن إنسانًا ذهب إلى هناك، ونسي الهدف، مرة بالمسرح، مرة بالسينما، مرة في سباق الخيل، مرة يتنزه في الغابات، مرة تسقط قدمه بالفواحش والموبقات، ضائع.

نحن في الدنيا، أنت حينما تعرف أنك فيها لوقت محدود، وأن هذه الدنيا سماها الله حياة دنيا تهيئة لحياة عليا، وأن الحياة العليا التي فيها مالا عين رأت، ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، وأن أصل الحياة الآخرة هي التكريم:

{لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا (35) }

(سورة ق)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت