{حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ}
لو خاضوا في حديث غيره فاجلس معهم، بيّن لهم، وضّح لهم، اِئتهم بالدليل، قدم لهم ما في هذا الكتاب العظيم، إذًا الله عز وجل لا يريدنا أن نقاطع الشاردين مقاطعة تامة.
استدل ثم اعتقد لأن منهج الله كلٌّ لا يتجزأ:
أنا أحيانًا يسألني أخ: لي أخت متفلتة قاطعتها كليًا، قلت له: هذا لمصلحتها، إن كان هناك صلة بينك وبينها لعلها تستحيي قليلًا، لعلها تحسب حسابًا لك، لعلها تعتذر، لعلها تفكر، لعلها تراجع نفسها، أما حينما تقاطعها مقاطعة تامة فهذا الذي تريده قد حصل.
لذلك أنا لا أرى أن يقاطع الإنسان الطرف الآخر مقاطعة تامة، والدليل هذه الآية
{وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آَيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ}
أي أعرض عنهم مؤقتًا، أعرض عنهم ماداموا يخوضون في آيات الله عز وجل بغير علم، ولا هدى، ولا كتاب منير، من دون دليل ولا تعليل.
الحقيقة الفكر المنهجي رائع جدًا، لا تجلس مع إنسان، ينفي بلا دليل، ويقبل بلا دليل، بعقله الباطن الشيء الذي يحقق مصلحته أو يروي شهوته يقبله، والشيء الذي يبعده عن مصالحه وعن شهواته يرفضه دون أن يشعر، أو أنه يعتقد أولًا ثم يبحث عن دليل ثانيًا، وهذا خطأ كبير، استدل ثم اعتقد، استدل أولًا ثم اعتقد، لا أن تعتقد ثم تستدل، الذي يعتقد ثم يستدل يصنف في علم المنطق انتقائيًّا، والانتقائي وصمة عار، ينتقي من الدين ما يعجبه ويرفض ما لا يعجبه، ومنهج الله كلٌ لا يتجزأ، لن تقطف ثماره إلا إذا أحطته من كل جوانبه،
{فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ}