إذًا حاسة السمع تتلقى بها ما تكلم به الأنبياء، وحاسة البصر تنظر من خلالها إلى ملكوت السماوات والأرض، فالله عز وجل له آيات ظاهرة متجسدة في هذا الكون، وله وحي متجسد في هذا القرآن والسنة، فلذلك إما أن تأتيك المعرفة جاهزة عن طريق الأنبياء أو أصحابهم أو من ينوبون عنهم، وإما أن تتفكر في خلق السماوات والأرض.
الحقيقة واحدة إما أن تأتيك عن طريق الوحي أو عن طريق التأمل:
قال تعالى:
{إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ (37) }
(سورة ق)
المعارف إما أن تأتيك جاهزة فتتفكر فيها وتبحث، وتنقلها إلى أفكار متبناة، أنت إما أن تأتيك المعرفة جاهزة تتفكر فيها، والدليل:
{قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ}
(سورة سبأ الآية: 46)
إن جاءتك المعرفة جاهزة عليك أن تتأمل فيها، وإن فكرت في خلق السماوات والأرض وصلت إلى الحقيقة التي ينبغي أن تبحث عنها، يعني الحقيقة واحدة إما أن تأتيك عن طريق الوحي، وإما أن تأتيك عن طريق التأمل، إما أن تأتيك عن طريق وحي السماء، وإما أن تأتيك عن طريق التأمل.
لكن الحقيقة التي تأتي عن طريق التأمل قد يعتورها الخطأ، لأن العقل قد يخطئ، أما الحقيقة التي تأتيك عن طريق الوحي لا يمكن أن يعتورها الخطأ، بالضبط كما لو أن عندك مذياع، وأردت أن تفككه، وأن تدرك تفاصيل صنعته، قد تحذف صمامًا منه فينقطع الصوت، فأنت تتوهم أن هذا الصمام للصوت، لكن قد يكون لتصفية الصوت، وقد يكون على طريق الصوت، فلما نزعته انقطع الصوت، فمعرفتك التجريبية التأملية قد يعتورها الخطأ، أما إذا التقيت بمن اخترع هذا الجهاز وأعطاك بيانًا توضيحيًا لخصائص كل صمام فحقيقة المخترع لا يمكن أن يعتورها الخطأ.