هناك قضايا أداة اليقين بها الحواس الخمس فقط، القضايا التي ظهر فيها عين الشيء وآثاره، والقضايا التي غابت فيها عين الشيء وبقيت آثاره أداة اليقين بها العقل فقط، بعرة تدل على البعير، أقدام تدل على المسير، ماء يدل على الغدير.
القضايا التي غابت عينها وآثارها دليل اليقين بها الخبر الصادق، الله عز وجل أخبرنا بقرآنه أنه حفظ هذا القرآن، فإيماننا بحفظه، وأن الذي بين أيدينا هو نفسه الذي نزل على قلب النبي صلى الله عليه وسلم، هذه قضية إيمانية لا تحتمل المناقشة:
{قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآَنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آَلِهَةً أُخْرَى}
الآن الشهادة شهادة عملية، لك أن تشهد بلسانك، ولك أن يشهد عليك عملك، فأنت حينما تخاف من غير الله، وترجو ما عند غير الله، وتعتز بغير الله، وتلجأ إلى غير الله ويكون ولاؤك لغير الله، ويكون عملك لغير الله، هذا سلوك عملي هو في الحقيقة شهادة عليك أنك مشرك بالله:
{لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آَلِهَةً أُخْرَى}
المؤمن يعلم علم اليقين أن الله سبحانه وتعالى فعال وحده وأن يد الله فوق أيديهم:
حينما تطيع مخلوقًا وتعصي خالقًا فهذه شهادة منك عملية على أنك لست موحدًا، أنت حينما تغش المسلمين ـ لا سمح الله ولا قدر ـ لماذا غششتهم؟ لأنه اعتقدت دون أن تشعر أن هذا المال الذي تكسبه من غش المسلمين أكبر عندك من طاعة الله، فالإنسان حينما يرضي الناس بسخط الله يقدم شهادة من عنده على أنه مشرك، وحينما يرضي مخلوقًا ويعصي خالقًا يقدم شهادة على أنه مشرك، قال تعالى:
{أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آَلِهَةً أُخْرَى قُلْ لَا أَشْهَدُ}