فهرس الكتاب

الصفحة 4775 من 22028

مستحيل أن يكون النبي عليه الصلاة والسلام من جنس آخر عندئذٍ تتعطل مهمته الثانية، الأنبياء لهم مهمتان؛ مهمة التبليغ القولي، ومهمة الأسوة العملية، بل إنني أرى أن مهمة الأسوة العملية أبلغ ألف مرة من مهمة التبليغ القولي، فأيّ إنسان إذا أوتي فصاحة في اللسان، وذاكرة قوية ينطق بما ينبغي أن يقول، ويقول كلامًا رائعًا، لكن الذي خصّ الله به الأنبياء أنهم في سلوكهم انضباط مذهل، ما تكلموا كلمة إلا فعلوها، ليس هناك مسافة أبدًا بين أقوالهم وأفعالهم، فلو أن هذا النبي كان في الأصل ملَكًا، ثم ألبسه الله شكل الإنسان، وكان بينهم وتحدث، فهو قد يؤدي مهمة التبليغ ولكن لا يؤدي مهمة الأسوة، الله عز وجل يقول:

{لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (21) }

(سورة الأحزاب)

إذًا لا بد من أن يكون هذا الذي يبلغك ناطقًا بالحق، مطبقًا للحق، ربما تقنع من طبيب اختصاصه بأعلى مستوى تنتفع بعلمه ولا يعنيك سلوكه، قد يكون غير مستقيم، قد لا يصلي، قد يشرب الخمر، لكنك في هذا الموطن أنت بحاجة إلى علمه فقط، فتأتي طبيبًا يعنيك من الطبيب اختصاصه فقط، فتنتفع بطبيب، بمهندس، بخبير، بمحلل، بمترجم، تنتفع بآلاف الأشخاص، ولا يعنيك ما يفعلون، إلا أنك لا يمكن أن تنتفع من رجل دينٍ إلا إذا كان مطبقًا لما يقول وإلا تسقط الدعوة، وهذا الذي يقولونه أحيانًا: خذ من أقوالهم ولا تلتفت إلى أفعالهم، هذا كلام غير صحيح، لا يمكن أن تحترمهم إذا تكلموا شيئًا وفعلوا شيئًا، لا يمكن أن تلقي لهم أذنًا مصغية إذا رأيت كلامهم في واد وأفعالهم في واد آخر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت