لكن هذا الكلام يذكرنا بكلام آخر، أن هؤلاء الذين عاشوا فيما بين نبوة الأنبياء، يسميهم العلماء أهل الفترة، أليسوا محاسبين؟ هناك من توهم أنهم لا يحاسبون أبدًا، الحقيقة بين ذلك، بين هذا وذاك، الحقيقة أن الإنسان أودع الله فيه عقلًا كافيًا للتعرف إلى الله، وأودع فيه فطرة كافية كي تكشف له خطأه، فالإنسان الذي لم يتلقَ رسالة من السماء، ولم يتلقَ توجيهًا نبويًا محاسب لا بضوء تفاصيل الشريعة، ولكن محاسب على شيئين كبيرين أودعهما الله فيه، وهو العقل والفطرة، فالعقل كافٍ أن يدله على الله، والفطرة كافية أن تدله على خطئه، إذًا هو يحاسب.
إنسان ما التقى برجل دين في الأرض، عاش في جزيرة، لو أنه قتل أمه، أو أكل وأجاع أمه، هذا الإنسان بفطرته التي فطر عليها يشعر أنه بحق هذه المرأة هو مجرم من دون تشريع، فالفطرة كافية أن تكتشف خطأك، والدليل:
{بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ * وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ}
[سورة القيامة: 14 - 15]
والدليل الآخر أن الله سبحانه وتعالى يقول:
{وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا}
[سورة الشمس: 7 - 8]
فالإنسان يكشف خطأه، وبعقله يصل إلى ربه، فحينما يكون الإنسان بين نبوتين، وفي وقت لم يصل إليه وحي من السماء ليس محاسبًا على تفاصيل الشريعة، ولكنه محاسب على أصل الإيمان، وأصل طاعة الرحمن، عقله تدله على الله وفطرته تمنعه من أن يخطئ.
المؤمن يوطن نفسه أن التحريم لابدّ منه في الأديان لأن ترك المحرمات ثمن الجنان:
قال تعالى: