إذًا: البطولة لا أن أتصدر المجالس، وأن ألقي المواعظ، البطولة أن أكون مثلًا أعلى، أن أطبق ما أقول، والحقيقة النطق سهل، أي إنسان أتاه الله ذاكرة قوية، وحافظة متينة، وطلاقة لسان يبلغ ويتكلم، لكن أن تكون في مستوى ما تبلغ، وأن تفعل ما تقول، وأن تحقق ما تقول لتكون قدوة، فهذا الذي يريده الله عز وجل.
لذلك الأنبياء العظام لهم مهمتان كبيرتان، المهمة الأولى أنهم قدوة، والمهمة الثانية أنهم مبلغون، لكن القدوة أبلغ من التبليغ، الله عز وجل يقول:
{لَوْلَا يَنْهَاهُمْ الرَّبَّانِيُّونَ}
هؤلاء الربانيون المنسوبون إلى الله، المحسوبون عليه، الذين يمثلون وحي السماء، يمثلون الكمال البشري، من هنا قال بعضهم: الورع حسن، لكن في العلماء أحسن، والتوبة حسنة، لكن في الشباب أحسن، والحياء حسن، لكن في النساء أحسن، والصبر حسن، لكن في الفقراء أحسن، والسخاء حسن، لكن في الأغنياء أحسن"."
الآية التالية تتحدث عن دور العلماء الذين حمّلهم الله أمانة التبيين:
الأزمة الآن أزمة خطاب ديني، وكأن هذه الآية تتحدث عن دور الذين ينطقون بوحي السماء، عن دور الدعاة إلى الله، عن دور العلماء الذين حملهم الله أمانة التبيين.
خليفة في موسم الحج التقى مع أحد العلماء، قال له: سلني حاجتك، قال له: والله إني أستحي أن أسأل غير الله في بيت الله، فلما التقاه خارج المسجد قال له: سلني حاجتك، قال: واللهِ ما سألتها من يملكها، أفأسألها من لا يملكها؟ فلما ألح عليه قال: نجني من النار، وأدخلني الجنة، قال له: هذه ليست بيدي، قال له: إذًا ليس لي عندك حاجة، أرأيت إلى هذه العفة. الحسن البصري سئل: بمَ نلت هذا المقام؟ قال: باستغنائي عن دنيا الناس، وحاجتهم إلى علمي، فكيف إذا استغنى الأمراء عن علم العالم، والعالم احتاج الأمراء في دنياه، انتهت مهمته، الله عز وجل يقول:
{الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ}
[سورة الأحزاب: 39]