في حقيقة دقيقة جدًا، العبرة لا أن تكون فقيرًا أو غنيًا، البطولة أن تقف من الغنى موقف الشاكر، وأن تقف من الفقر موقف الصابر، أن تقف من الصحة موقف الشاكر، ومن المرض موقف الصابر، الذي تحاسب عليه لا الذي ينالك من قضاء الله وقدره، بل تحاسب على موقفك من قضاء الله وقدره. لذلك فيما تروي الروايات أن جبريل عليه السلام خيّر النبي صلى الله عليه وسلم قال: أتحب أن تكون نبيًا ملكًا أم نبيًا عبدًا؟ فقال: بل نبيًا عبدًا، أجوع يومًا فأذكره، وأشبع يومًا فأشكره.
ذكرت لبعض الأخوة الكرام شرحًا لهذا الحديث، أننا لو أخذنا مئة قوي لا ينجو من هؤلاء إلا قلة قليلة، لأن القوة مزلة قدم، لو أخذنا مئة ضعيف ينجو منهم ثمانون بالمئة، لو أخذنا مئة غني لا ينجو منهم إلا قلة قليلة، لأن الغنى والكبر والسيطرة واتباع الشهوات مظنة الزلل، ولو أخذنا مئة فقير ينجو منهم ثمانون، لذلك النبي عليه الصلاة والسلام كان قدوة لنا، علمنا كيف أنه في بعض الصفات السلبية تكون أقرب إلى العبودية، وأسلم لدينك، وأنجى لك من صفات إيجابية قد تكون حجابًا بينك وبين الله.
والله أيها الأخوة، حقيقة عاينتها معانية دقيقة، أن الرخاء الكبير في بعض البلاد كل الأمور ميسرة، دخل كبير، طبيعة جميلة، حقوق الإنسان مقدسة هناك، ترى في هذه البلاد بعد عن الله لا يصدق، ترى في هذه البلاد تصحرًا دينيًا، جفافًا في قلوبهم، غفلة لا تحتمل عن ربهم، وتجد في بعض البلاد الأخرى التي فيها مشكلات وأزمات، وضغوط شديدة أحيانًا، وتهديد من العدو، تجد أن الناس أقرب إلى الله من هؤلاء بكثير، هم مع الله، لأن هذه الشدة دفعتهم إلى الله، وألجأتهم إلى باب الله.