أقول لكم شيئًا آخر: نوايا الشيطان الخبيثة جدًا توظَّف في صالح الإنسان، لأنه لا يوجد عند الله عزَّ وجل شر مطلق، عنده شر نسبي، الشر المطلق لا وجود له في الكون وهو يتناقض مع وجود الله، فلو كان هناك شر فإنه يوظف للخير، وأنا أعرف قصة ذكرتها لكم سابقًا، رغبت إنسانة متفلِّتة أن تكون موظفة في مكان ما، طُلِب منها شهادة صحية، ذهبت إلى المستشفى، الموظَّف مقصر، مهمل، أعطى لأخيها تقريرًا يخص غيرها، أنها مصابة بمرض السُل، حينما علمت بهذا المرض الخطير بكت أشد البكاء، تألَّمت أشد الألم، طبعًا قاطعها أهلها، ابتعدوا عنها، أعطوها أدوات خاصة لها، لم يأكلوا معها، تعقدت وبكت بكاءً مرًا، ثم تابت إلى الله، وصلَّت واصطلحت معه، وكان أخوها في المستشفى بعد أسبوعين، فإذا بالنتيجة لم تكن لها بل لغيرها، وظّف الله هذا الخطأ الذي ارتكبه الموظَّف وهذا الإهمال للخير المطلق، فهي حينما توهَّمَتْ أنها مريضة بهذا المرض تابت إلى الله عزَّ وجل، دائمًا يوظّف الله عزَّ وجل الشر للخير المطلق.
الإنسان حينما تُكْشَفُ حقيقته هذه خطوة أولى نحو التوبة ونحو صلاح نفسه:
حتى الشيطان موظف أن يكشف للإنسان أبعاده، يكشف نقاط ضعفه، يكشفها ليتوب منها، لو كان هناك خطأ كامن في النفس ولم يظهر إلا عند الموت لاستحق صاحبه النار، أما إذا كان عنده ضعف جاء الشيطان كشف هذا الضعف، فهو في الظاهر أغواه، ولكنه في الحقيقة أخرج ما عنده من شر، وبعد ذلك جاء عقاب الله عزَّ وجل وانتهى بالتوبة، لذلك في النهاية عندما يتوب الإنسان من ذنبٍ ارتكبه بفعل وسوسة الشيطان، فما الذي يكون قد حصل؟ الشيطان كشف وسارع من دون أن يشعر، من دون أن يريد بتقريب هذا الإنسان من الله عزَّ وجل، وإلا من سمح للشيطان أن يفعل فعله في الأرض؟ الله جلَّ جلاله، والله عزَّ وجل كل فعله خير، حتى الذي يقوله الشيطان للإنسان موظفٌ للخير المطلق، إنها عملية كشف.