أحد أصحاب رسول الله، وقد يكون أقلهم شأنًا صلى خلف النبي، صلى الظهر ركعتين، اسمه ذو اليدين، قال: يا رسول الله أقصرت الصلاة أم نسيت؟ فقال: كل ذلك لم يكن، فأصر، وقال بعضهم: قد كان، فسأل النبي أصحابه فإذا قد صلى ركعتين فعلًا، فقال عليه الصلاة والسلام: إنما نُسّيت كي أسن.
صفة المجتمع المؤمن أنه مجتمع صادق، وصفة المجتمع المؤمن أنه مجتمع ورع، يركل بقدمه مئات الملايين إذا كانت حرامًا، أو إذا كان فيها شبهة، فهات ورعًا وصدقًا، وخذ نصرًا وتأييدًا، أما إذا فهمنا الدين عبادات تؤدى أداء أجوف، وأفعالنا كذب بكذب، وانحراف بانحراف، فأنى نطمع أن ننتصر على أعدائنا؟
{سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ فَإِنْ جَاءُوكَ}
هم عندهم التوراة، وعندهم الإنجيل، وفيها حكم الله، ولكن حكم الله للزاني في التوراة والإنجيل هو الرجم، مع أنهم لم يؤمنوا برسالة محمد صلى الله عليه وسلم، ولم يعبؤوا بها، وكذبوها، ولكن لعل عند رسول الله حكمًا ليس في مستوى الرجم، هم يعبدون مصالحهم، مع أنهم يملكون كتابًا سماويًا فيه حكم الزنا، والحكم واضح جدًا، إنه الرجم للمحصن طبعًا، جاؤوا النبي ليسألوه عن حكم الزنا، فإن جاء بحكم ملطف يتوافق مع مصالحهم ويعينهم على اقتراف شهواتهم وانحرافاتهم قبلوا به، مع أنهم كفروا به كرسول، وقبلوا بحكمه كمفتٍ، قال:
{فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ}
أنت مخير، لا تلام إذا حكمت بينهم، أو أعرضت عنهم، لأنهم ما أرادوا الحقيقة، أرادوا حكمًا يتوافق مع مصالحهم، أرادوا حكمًا يتمشى مع أهوائهم، هم لا يطلبون الحقيقة ولو كانت مُرّة، هم يطلبون حكمًا مخففًا يدغدغ شهوتهم، قال تعالى:
{جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ}
إن شئت فاحكم، ولست ملامًا، وإن شئت لا تحكم، فلست ملامًا أيضًا:
{فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ}