أذكر أن إنسانًا عرض بيته للبيع فجاء من يشتريه بمبلغ، ولحكمة أرادها الله عز وجل بعد حين جاء من يدفع له ثلاثين بالمئة زيادة عن هذا المبلغ، فالذي اشترى البيت بلغه أن فلان عرض على صاحب البيت هذا المبلغ فأيقن يقينًا قطعيًا أنه لن يبيعه البيت، بحسب أخلاق الناس الآن، جاء وقت تنفيذ الوعد وكتابة العقد فذهب إليه ومعه المبلغ الأول، استقبله بترحاب وكتب العقد ووقعه، وهو يعلم علم اليقين أن زيدًا دفع له ثلاثين بالمئة من ثمن البيت، بعد أن وقع العقد ونقضه المبلغ، قال له: لي عندك سؤال، ألم يُعرَض عليك ثمن أعلى؟ قال نعم، ولكني لا أبيع ديني.
هكذا كان المسلمون، يوفون بعهودهم ومواثيقهم وعندئذِ يرفعهم الله عز وجل، أما حينما نقلد التائهين، نقلد الشاردين، ونتنكر لعقودنا ومواثيقنا ولا نعبأ بها بقي الدين اسمًا، والقرآن رسمًا، وانتهى المسلمون وسقطوا من عين الله عز وجل، ولأن يسقط الإنسان من السماء إلى الأرض أهون من أن يسقط من عين الله، فإذا عقدت عقدًا ينبغي أن تنفذه، وإذا عاهدت عهدًا ينبغي أن تنفذه، وهذا يرفعك عند الله عز وجل، والدنيا تذهب وتأتي، ولكنك إذا سقطت من عين الله لن تستطيع أن تفعل شيئًا بعد ذلك يقربك من الله عز وجل إلا أن تتوب توبة نصوحة، وأن تعاهده ثانية على الوفاء بالعهد:
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ}