هذا درس بليغ لكل من يدعو إلى الله، لكل من يحمل الحق، تحمل الحق لو تكلمت في شأن عام كلامًا غير صحيح، لو تكلمت كلامًا لا ينبغي أن تقوله، لو تكلمت كلامًا لا يرضي الله عز وجل، لو مدحت فاسقًا وينبغي أن لا تمدحه، لو ذممت مؤمنًا وينبغي أن لا تذمه هذا الجانب من كلامك غير الصحيح يسقط ما عندك من صحيح، لذلك المؤمن لا ينطق إلا بالحق وإذا نطق يتحفظ. سيدنا الصديق قال: هذا علمي به فإن بدل وغير فلا علم لي بالغيب.
الحق لا يتجزأ والخلق لا يتجزأ والقيم لا تتجزأ:
إذًا هؤلاء أرادوا أن يزينوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم، أن يوهموا رسول الله تزيينًا لا فعلًا أن الأبيرق بريء، فلو أنه حكم على الأبيرق بالبراءة وهو السارق، وحكم على اليهودي بالذنب بالسرقة وهو الذي لم يسرق، ما قيمة الوحي عند هذين الرجلين ومن حولهما من أقاربهما ومن يلوذ بهما؟ ثم قد يفشو الخبر، ما من مثل يوضح هذه الحقيقة كما لو أن إنسانًا أكرمه الله بالدعوة إليه، وفي مكان آخر، في مناسبة معينة، تكلم كلامًا لا يرضي الله، أو تكلم كلامًا غير صحيح، أو مدح من لا ينبغي أن يمدح، أو ذم من ينبغي أن يمدح، فهذا الخطأ الكبير في أحكامه في شأن آخر غير الدين يسقط ما عنده من حق، أي أنت حينما تأتي بخبير بحرفة معينة ويرتكب كذبةً كبيرة أمامك في شأن خاص ماذا تفعل أنت؟ لا تثق بخبرته، ولا تثق بولائه، ولا باختصاصه.
هذا الذي أوهم فرسًا أن في ثوبه شعيرًا كي يأتي إليه، فلما اقترب منه ـ سافر من المدينة إلى البصرة ليأخذ عنه الحديث ـ ورآه يكذب على الفرس، عاد إلى مكان مجيئه، ولم يسأله عن شيء لأن الحق لا يتجزأ، والخلق لا يتجزأ، والقيم لا تتجزأ، فالذي يكذب على فرسه ليس أهلًا أن ينقل عن رسول الله حديثًا، هذا هو الأصل، فالآية الكريمة:
{وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ}